صندوق المرصد
يبدو مقتل الكونت فولك برنادوت على يد مسلحين يهود واحدة من أكثر مفارقات القرن العشرين قسوة وإيلاماً. الرجل الذي خاطر بحياته لإنقاذ أكثر من سبعة عشر ألف إنسان من معسكرات الاعتقال النازية، بينهم آلاف اليهود، قُتل برصاص جماعات تدّعي أنها كانت تمثل خلاص اليهود في فلسطين.
هذه الحادثة لا يمكن قراءتها إلا بوصفها دليلاً على أن المشروع الصهيوني كان منذ بداياته يضع السياسة قبل العدالة، والمصلحة قبل الاعتراف بالجميل.
برنادوت لم يكن مجرد وسيط أممي عابر، بل كان رجل دولة سويدياً ذا شجاعة استثنائية، قاد عملية إنسانية غير مسبوقة عُرفت بـ«الحافلات البيضاء». عبر الصليب الأحمر السويدي إلى قلب الرايخ الثالث لإنقاذ الأسرى، متحدياً آلة الحرب النازية وهي في لحظة جنونها الأخيرة.
بفضل هذه المبادرة تم تحرير آلاف النرويجيين والدنماركيين، ثم توسعت العملية لتشمل البولنديين واليهود، حيث أنقذت القوافل مئات كانوا في طريقهم إلى غرف الغاز، ومن بينهم نساء من معسكر رافنسبروك سيئ السمعة.
ومع ذلك، لم تسلم إنسانية برنادوت من تلاعب السياسة. فقد سمح هيملر، مهندس معسكرات الإبادة، بهذه العمليات لا حباً في البشر بل ليستخدم الأسرى كورقة تفاوض مع الحلفاء الغربيين.
أراد أن يساوم على مستقبل الرايخ في مقابل هدنة تسمح لألمانيا بمواصلة الحرب ضد السوفيات. هنا وجد برنادوت نفسه في مأزق أخلاقي؛ فهو يدرك أن الحلفاء لن يقبلوا أي صفقة من هيملر، لكنه يعرف أن أي رفض صريح سيعني توقف القوافل وإغلاق أبواب المعسكرات على من بقي فيها. فاختار أن يخدع هيملر، يوهمه بأنه ينقل عروضه للغرب، بينما يواصل مهمته في إنقاذ الأرواح حتى اللحظة الأخيرة من الحرب.
لكن ما لم يكن برنادوت يتوقعه هو أن يصبح، بعد سنوات قليلة، هدفاً للقتل على يد منظمة «شتيرن» الصهيونية، لمجرد أنه قدّم خطة للأمم المتحدة تتضمن تدويل القدس وعودة جزء من اللاجئين الفلسطينيين.
اغتياله لم يكن حادثاً فردياً بقدر ما كان إعلاناً مبكراً عن أن الحركة الصهيونية مستعدة لتصفية أي صوت يتعارض مع مشروعها، حتى لو كان هذا الصوت هو الرجل الذي أنقذ حياة الآلاف من أبنائها.
اغتيال برنادوت كان مقدمة لسياسة إسرائيلية استمرت لعقود، حيث أضحت الاغتيالات أداة شرعية في عقل الدولة العبرية، من تفجير فنادق في عهد الانتداب إلى اغتيال قادة فلسطينيين وعرب لاحقاً. وما يزيد المفارقة إيلاماً أن الدولة التي نشأت بعد المحرقة، واستفادت من تضحيات رجال مثل برنادوت، رفضت الاعتراف حتى اليوم بدورها في اغتياله.
إن قصة برنادوت ليست مجرد صفحة في تاريخ الحرب العالمية الثانية، بل هي مرآة تعكس كيف يمكن أن تتحول المأساة إلى مشروع سياسي يرفض أي صوت يدعو للعدالة أو السلام العادل.
برنادوت لم يُقتل لأنه عدو، بل لأنه كان يذكّرهم بأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن ضحايا الأمس لا يملكون الحق في أن يصبحوا جلادي الغد.




