التقارير
أخر الأخبار

المخدرات في السودان.. حرب صامتة تهدد المجتمع وتموّل الصراعات المسلحة

مرصد مينا

بينما تستعر نيران الحرب في السودان منذ أكثر من عامين، تتسع جبهة أخرى لا تقل خطورة عن الرصاص والدبابات وهي تجارة المخدرات.

من دارفور غرباً إلى القضارف وكسلا شرقاً، ومن قلب العاصمة الخرطوم حتى معسكرات النزوح، تمتد خيوط أزمة قاتلة تضرب المجتمع بلا استثناء، فتطال الشباب والمدنيين والمقاتلين على حد سواء.

ضبط شبكات المخدرات.. معارك يومية للأمن السوداني

في عملية نوعية مؤخراً بمدينة القضارف، داهمت شرطة مكافحة المخدرات قبل أيام منزلاً اكتشفت داخله مزارع صغيرة للحشيش وأكياس مخدّرات “الأيس”، بالإضافة إلى حيازة أكثر من 700 حبة كبتاغون.

أسفرت العملية عن توقيف خمسة متهمين، لتكون جزءاً من سلسلة مواجهات يومية ضد شبكات المخدرات المنتشرة في السودان.

وفي الأشهر الأخيرة، أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط أطنان من المواد المخدرة ومصانع سرية لإنتاج ملايين الحبوب المميتة، في صراع مستمر بين الأمن والموت يهدد حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.

شبكات تهريب منظمة

كشف مصدر أمني أن تجارة المخدرات لم تعد مجرد عبور عابر، بل تحولت إلى نشاط منظم يمول الصراعات.

أصناف مثل “الأيس” و”الكبتاغون” وجدت طريقها للأسواق السودانية، مستهدفة الشباب وحتى بعض المقاتلين في الجبهات.

آلاف السجناء، بمن فيهم كبار التجار، فرّوا من السجون مع بداية الحرب، ليعودوا إلى المشهد أكثر جرأة وخطورة، محتمين بالأسلحة المتفلتة من رقابة الدولة.

شباب على حافة الانهيار

في مدن النزوح المكتظة، يلجأ المراهقون إلى المخدرات كمهرب نفسي من فقدان التعليم والعمل، فيما أعلنت وزارة الصحة عن خط ساخن للدعم النفسي والاجتماعي، مع توجيه بإعطاء علاج المدمنين أولوية من خلال التوسع في مراكز التأهيل ودمج الدعم النفسي ضمن الرعاية الصحية الأساسية.

الأزمة لا تقتصر على تدمير النسيج الاجتماعي، بل تمتد لتمويل النزاعات المسلحة وتعميق أزمات الأمن الداخلي، في معادلة مميتة تهدد استقرار البلاد.

المال الأسود يغذي الحرب

مع انهيار الإيرادات التقليدية، وجدت الفصائل المسلحة في تجارة المخدرات مورداً مربحاً، حيث تؤكد مصادر أن أرباح هذه التجارة تتسرب مباشرة إلى جيوب قادة الحرب، لتصبح المخدرات جزءاً من الاقتصاد الموازي إلى جانب الذهب والسلاح.

مواجهة مضطربة وسط الفوضى

قبل الحرب، ساعدت الطائرات المسيّرة في مكافحة المخدرات، لكنها فقدت فعاليتها بعد اندلاع النزاع.

انتشار السلاح وفرار أصحاب السوابق منح العصابات جرأة غير مسبوقة، حتى أن مجموعات مسلحة اقتحمت أقسام شرطة لإطلاق سراح متهمين بتجارة المخدرات، محولة المعركة من الظل إلى قلب المؤسسات الأمنية نفسها.

بعض المناطق مثل محمية الردوم بجنوب دارفور، المعروفة بـ”كولومبيا السودان”، أصبحت من أخطر بؤر نشاط العصابات، بسبب قربها من حدود جنوب السودان وأفريقيا الوسطى.

عصابات دولية وخطر متزايد

يؤكد رئيس جمعية “صحفيون ضد الجريمة” طارق عبد الله أن السودان بات هدفاً لعصابات دولية، مع مصانع محلية يعمل فيها أجانب من دول عربية.

وأضاف بأن بيئة الفوضى فتحت أسواقاً للاستهلاك المحلي عبر الجماعات المسلحة، حيث استخدم بعض المقاتلين المخدرات لرفع النشاط البدني وتبديد المخاوف.

تتحول المخدرات إلى مصدر تمويل للجماعات المسلحة، ما يضاعف إنتاجها ويزيد نطاق تهريبها، ليصبح السودان ساحة حرب مزدوجة: حرب بالرصاص والأخرى بالسموم البيضاء والخضراء.

يرى المواطنون أن الحرب قد تنتهي بتسوية سياسية، لكن حرب المخدرات قد تستمر لعقود، لأنها تضرب الداخل وتفتك بالنسيج الاجتماعي، مستهدفة الجميع بلا استثناء، وفق شهادات حية وتقارير ميدانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى