ترامب .. عندما يحوّل الكارثة إلى كوميديا

صندوق المرصد
ما قاله دونالد ترامب في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد إنكار لأزمة المناخ، بل كان استعراضًا لشعبوية تهدّد ليس البيئة فحسب، بل مستقبل التعاون الدولي كله.. ترامب لم يأتِ ليقدّم رؤية، بل ليطلق النكات ويقلب الحقائق ويحوّل قضية مصيرية إلى عرض انتخابي جديد.
إنكار العلم بالنسبة لترامب ليس زلة لسان ولا سوء فهم، بل سياسة مقصودة، حين يسخر من أوروبا لأنها خفّضت انبعاثاتها بنسبة 40%، ويتهكّم على اعتمادها على الغاز الروسي، ثم يقدّم موارد بلاده كبديل، فهو لا يدافع عن مصالح أميركا فقط، بل يروّج لوهم أن حل أزمة المناخ يمكن أن يأتي عبر المزيد من حرق الوقود الأحفوري، شرط أن يكون أميركي الصنع.. هذا ليس جهلًا فحسب، بل استغلال سياسي لأكبر أزمة تواجه البشرية.
داخليًا، تعمّد ترامب تدمير منظومة الحماية البيئية:
ـهمّش وكالة حماية البيئة.
ـ رفع القيود عن مناجم الفحم ومصافي النفط.
وجعل من تلوث الهواء وارتفاع الانبعاثات “ثمنًا مقبولًا” لإرضاء لوبيات النفط والفحم.
حتى وهو رجل أعمال، تجاهل أن قطاع الطاقة المتجددة هو القطاع الأسرع نموًا في العالم، ما يثبت أن مواقفه ليست رؤية اقتصادية بل موقف أيديولوجي ضد أي تقدّم أخضر قد يقيّد نفوذ شركات الطاقة التقليدية.
وصفه الفحم بأنه “نظيف وجميل” ليس جهلًا بريئًا، بل تحدّ متعمّد للعلم والمجتمع الدولي.. ترامب لا يكتفي بإنكار الحقائق، بل يحوّل الجهل إلى شعار انتخابي.. هذه هي خطورة شعبويته:
ـ تحويل معركة علمية وإنسانية إلى صراع هويّات، حيث يصبح الدفاع عن المناخ “مؤامرة ليبرالية” بدل أن يكون واجبًا إنسانيًا.
ما يقوم به ترامب هو تطبيع مع الكارثة.. إنه يرسل إشارة إلى العالم بأن التعاون العلمي لا قيمة له، وأن المصالح اللحظية تعلو على بقاء الأجيال القادمة، وإذا استمر هذا النهج في التأثير على السياسات الدولية، فلن نخسر معركة المناخ فحسب، بل نخسر الإيمان بأن الحقيقة يمكن أن تنتصر في السياسة.
العالم اليوم لا يحتاج إلى قادة يصنعون من إنكار العلم مادة للضحك، بل إلى زعماء يملكون الشجاعة لقيادة انتقال تاريخي نحو الطاقة النظيفة، وكلما بقي خطاب ترامب مؤثرًا، كلما ابتعدنا عن ذلك المستقبل.




