رأي

حماس بين قاتلَين

تقف حركة حماس اليوم أمام مفترق حاسم، قد يحدد مصير غزة وأهلها لعقود قادمة، بما يجعلها أمام واحد من خيارين: إما مواصلة المواجهة التي تُبقي الباب مفتوحًا لمزيد من التدمير والتهجير، وإما الموافقة على مشروع أمريكي — يقدمه دونالد ترامب — يضع غزة تحت إدارة انتقالية دولية فعلًا تشبه الانتداب أو الوصاية المؤقتة.

لا يخفى على أحد أن كل خيار يحمل خسائر كبيرة، لكن قراءة دقيقة للحظة والوزن السياسي لمخاطر كل طريق تساعد على توضيح ما هو أقل ضررًا، أو بالأحرى، ما هو أقل قدرة على تحويل مأساة إنسانية إلى محنة لا تنتهي.

أولاً: ما هو مشروع ترامب؟

بعبارات موجزة، العرض الذي طرحه البيت الأبيض يضع إطارًا لوقف فوري لإطلاق النار إذا قبلت الأطراف، ويقترح إدارة مرحلية لغزة يقودها «لجنة تكنوقراطية فلسطينية» تحت إشراف هيئة دولية — «مجلس السلام» — سيترأسه الرئيس ترامب نفسه ويضم شخصيات دولية معروفة.. المقابل المطلوب أساسًا من حماس هو التفكيك العسكري (نزع سلاحها) والانسحاب من مؤسسات الإدارة الفعلية، بينما يُعرض على السكان وعود لإعادة إعمار واسعة وخطة لإعادة السلطات لاحقًا للسلطة الفلسطينية بعد «إصلاحات».

 هذا الطرح لم يُبْنَ بالتفاوض مع حماس، بل قُدِّم كخيار أحادي الطابع يجب أن تُجيب عليه الحركة خلال أيام.

الخيار الأول — المضي في القتال حتى النهاية — يحمل مخاطرة وجودية لغزة: استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية، إن رفضت حماس الاتفاق، قد يُبرِّر لدى البعض تصعيدًا عسكريًا يصل إلى مسعى لإخراج سكان من مناطق واسعة أو تهجيرهم القسري نتيجة للدمار المتزايد وفقدان السكن والخدمات.. ببساطة: خيار «الصمود حتى النهاية» قد يتحول إلى مسار يقود إلى مزيد من الدمار وأزمة إنسانية لا حدود لها.

التقارير الدولية تتحدث بالفعل عن أعداد هائلة من المشردين والضحايا وتزايد الضغط الدولي على الأطراف.

الخيار الثاني — الموافقة على مشروع الانتداب الدولي المؤقت — يبدو أقل عنفًا في المدى القصير:

وقف لإطلاق النار، فتح نافذة للإغاثة وإعادة الإعمار، وإدارة تكنوقراطية مؤقتة تمنع الانهيار الإداري الكامل، لكنه يحمل في جوهره مشكلة سيادية جسيمة:

ـ تسليم إمكانية تقرير المصير الفلسطيني لهيئات خارجية، وتقليص دور القوى الفلسطينية الوطنية (وبالأخص حماس) إلى هامش أو إلى خيار الهجرة أو العفو المشروط، كما أنه يضع الفلسطينيين أمام استحقاق طويل لإعادة بناء مؤسسات وطنية متماسكة تحت رقابة دولية وإقليمية قد لا تكون محايدة.. عمليًا، يمكن أن يُقرأ هذا المشروع على أنه «انتداب حديث» — وهو شعار يشعل الحساسيات التاريخية لدى الشعب الفلسطيني والمنطقة.

فما الذي ينبغي أن تختاره حماس؟ بالمقاييس الإنسانية والسياسية الواقعية، الإجابة ليست مبسطة ولا مثالية، لكن ثمة معايير عملية للاعتبار:

ـ إذا كان الخيار بالمضي في القتال يعني بمزيد من القتل والشتات، فعلى الحركة أن تقيّم ما إذا كانت أهدافها الاستراتيجية تبرر عبء إنساني لا طاقة له بمثله، أي قرار يتجاهل حياة الناس سيترك الحركة دون شرعية داخل المجتمع الفلسطيني وعلى الساحة الدولية.

ـ القبول بخطة انتقالية لا يجب أن يكون بمثابة استسلام كامل؛ هناك هامش لمفاوضة ضوابط زمنية واضحة، آليات لإعادة السيادة تدريجيًا، ضمانات دولية لحقوق العودة والإعمار، ومشاركة فلسطينية أوسع تشمل مؤسسات مدنية وقوى وطنية أخرى، حتى لا يتحول الانتقال إلى احتلال إداري طويل الأمد.

إن كان الانسحاب الكامل والفرار من الساحة السياسية هو الثمن، فهل لدى حماس بدائل فعالة للحفاظ على وجود سياسي تمثيلي؟ البقاء في المشهد السياسي، حتى بصيغ جديدة، هو الضمان الوحيد لتمثيل مطالب الناس لاحقاً.

الدرس الأخطر هنا ليس فقط ما ستقرره حماس، بل في كيفية صياغة المجتمع الدولي لخياراته:

ـ إذا كان المقترح الدولي يهدف بالفعل إلى حماية المدنيين وإعادة بناء مؤسسات حقيقية تعود لقيادة فلسطينية قادرة، فذلك يمكن دعمه بشرط ضمان المشاركة الفلسطينية الحقيقية والشفافية، أما إذا كان المشروع مجرد طريقة لأقلمة السيطرة وتقويض مشروع الدولة الفلسطينية، فستكون النتيجة طويلة الأمد كارثية على كل الأطراف.

أمامنا لحظة اختبار أخلاقي وسياسي، والمطلوب من حماس أن تختار بوعي أن استمرار المواجهة على حساب المدنيين ليس استراتيجية نصر بل وصفة لمزيد من الخراب، ومطلوب من المجتمع الدولي أن يقدم حلولًا لا تُعزِل الفلسطينيين عن قرارهم، بل تُعينهم على بناء مؤسسات مستقرة تحترم حقوقهم الأساسية.

 إن لم يحدث ذلك، فسوف تُكتب مأساة غزة كدرس عن فشل السياسة الدولية في حماية الإنسان وكرامته — وليس كقصة وطن مسلوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى