مرصد مينا
ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الأربعاء، ، خطاباً وصف بـ”التاريخي” أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، هو الأول لرئيس سوري منذ العام 1967، تناول فيه تطورات الأوضاع الداخلية في سوريا ورؤية حكومته للعلاقات الخارجية، إضافة إلى خطط إعادة الإعمار والاستثمار، مع التطرق إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية، مؤكداً التزام دمشق باتفاق فضّ الاشتباك الموقّع عام 1974.
كما قدم رؤيته لسوريا بعد سقوط حكم البعث الذي امتد ستة عقود بزعامة الرئيسين السابقين حافظ وبشار الأسد.
استهل الشرع كلمته بالقول إن «الحكاية السورية حكاية يختلط فيها الألم بالأمل، هي صراع بين الخير والشر، وبين الحق الضعيف الذي لا ناصر له إلا الله، والباطل القوي الذي امتلك كل أدوات القتل والتدمير».
وأضاف أن التجربة السورية «تمثل درساً إنسانياً في معركة أزلية بين الحق والباطل، لتسجل فصلاً مشرقاً وعظيماً من فصول الصمود والإبداع والإصرار رغم الألم والتضحيات».
وقال الرئيس السوري: «أتيتكم من دمشق، عاصمة التاريخ ومهد الحضارات، تلك البلاد التي علمت العالم قيمة الإنسان والتعايش السلمي، لتكون منارة يُقتدى بها».
وأكد أن سوريا عاشت ستة عقود تحت سلطة «نظام ظالم جهل قيمة الأرض والشعب، فقهر السوريين وواجه مطالبهم بالحرية والكرامة بالقتل والتنكيل والحرق والاغتصاب والتهجير».
وأوضح أن النظام السابق «استخدم أبشع أدوات التعذيب، وأثار الفتن الطائفية، وهدم حواضر التاريخ، وجلب قوات وميليشيات من الخارج، وحوّل البلاد إلى رهينة»، مشيراً إلى أنه «قتل نحو مليون إنسان، وعذّب مئات الآلاف، وهجّر 14 مليوناً، وهدم قرابة مليوني منزل فوق ساكنيها». كما أكد أن الشعب السوري استُهدف «بأكثر من 200 هجوم كيماوي موثّق».
وتابع الشرع أن «الشعب لم يجد أمامه سوى أن ينظم صفوفه ويخوض مواجهة تاريخية كبرى في عمل عسكري خاطف أسقط منظومة إجرام استمرت 60 عاماً»، موضحاً أن هذه المواجهة «لم تستهدف المدنيين، ولم تتسبب بتهجير إنسان، بل انتصرت للمظلومين ولأمهات الشهداء والمفقودين، ومهّدت الطريق لعودة اللاجئين وتدمير شبكات تجارة المخدرات».
وأكد أن هذا الانتصار «حوّل سوريا من بلد يصدر الأزمات إلى فرصة تاريخية لإحلال السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة». لكنه أشار في الوقت نفسه إلى محاولات بعض الأطراف «إثارة النعرات الطائفية والاقتتال الداخلي، في إطار مشاريع تقسيم وتمزيق البلاد»، إلا أن «وعي السوريين حال دون العودة إلى المربع الأول».
وكشف الرئيس السوري أن الدولة شكّلت «لجاناً لتقصي الحقائق ومنحت الأمم المتحدة الإذن بالمشاركة»، مؤكداً أنه «سيتم تقديم كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء إلى العدالة».
وفي الشأن الإقليمي، لفت إلى أن «التهديدات الإسرائيلية ضد سوريا لم تهدأ»، متهماً تل أبيب بالسعي إلى استغلال المرحلة الانتقالية.
وأكد أن بلاده «تتمسك بالحوار والدبلوماسية لتجاوز الأزمة، مع الالتزام الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974»، داعياً المجتمع الدولي إلى «احترام وحدة الأراضي السورية ودعمها في مواجهة هذه التحديات».
واستعرض الشرع ركائز السياسة السورية الجديدة التي تقوم على «الدبلوماسية المتوازنة، والاستقرار الأمني، والتنمية الاقتصادية».
وأشار إلى أن الحكومة «ملأت فراغ السلطة، وأطلقت حواراً وطنياً جامعاً، وشكّلت حكومة كفاءات، وعززت مبدأ التشاركية، وأعادت هيكلة المؤسسات المدنية والعسكرية تحت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة». كما أسست «هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين إنصافاً للضحايا».
وأوضح أن النشاط الدبلوماسي الكثيف «أعاد لسوريا علاقاتها الدولية، وفتح الباب لشراكات إقليمية وعالمية، مع رفع تدريجي للعقوبات»، مطالباً برفعها بشكل كامل «كي لا تتحول إلى أداة لتكبيل الشعب السوري ومصادرة حريته».
وختم الشرع كلمته بالتأكيد أن «سوريا اليوم تعود إلى موقعها الطبيعي بين الأمم، مستندة إلى إرادة شعبها الذي قدّم التضحيات الجسام من أجل الحرية والكرامة».
وبهذا يكون الشرع أول رئيس سوري يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ خطاب الرئيس نور الدين الأتاسي عام 1967، الذي جاء بعد حرب يونيو.




