رأيصندوق المرصد

لنُفتَضَح أكثر

نبيل الملحم

لم تُولد سوريا من رحم الطبيعة، بل من رحم الخرائط، هكذا التقى اثنان هما “سايكس و بيكو” ورسماها بما يتناسب وأوراق الكالك التي بين أيديهم.. خطوط مستقيمة رسمتها إرادة دولية في غرف مغلقة، أكثر مما رسمتها الجبال والأنهار.

هكذا جاءت خريطتها بلا مشروعية طبيعية، كيان هشّ يحتاج إلى سلطة مركزية تحميه من نفسه قبل جيرانه.

سكان هذا البلد لم يتعرفوا على بعضهم كما تقتضي الجيرة الوطنية، الطوائف عاشت متجاورة أكثر مما عاشت متداخلة؛ والدولة الحديثة لم تصهرهم في مشروع وطني جامع، بل جمعتهم تحت قبضة أمنية حديدية.

ـ كان التعايش قائماً لكنه قائم على الخوف، لا على الثقة.

عقود حكم البعث لم تعالج المشكلة، بل عمّقتها.. رفعت شعارات الوحدة، لكنها أفرغتها من مضمونها، وحولت البلاد إلى دولة أمنية تقوم على مراقبة المجتمع أكثر مما تقوم على بنائه، وحين ارتخت القبضة بعد 2011، لم يظهر مجتمع موحّد، بل ظهر كل ما كان مكبوتاً:

ـ طوائف متوجسة، قرى ومدن تتناحر، وسرعان ما انزلقت البلاد إلى حرب أهلية.

الجغرافيا بدورها لم ترحم.. من الساحل إلى الجزيرة إلى البادية، من دمشق إلى حلب إلى دير الزور، تحولت الأرض إلى مسرح صراع إقليمي ودولي، وتحوّل السوريون إلى شتات موزّع بين المنافي والمخيمات.

سوريا اليوم زجاج مُحطّم، كل شظية تعكس وجه طائفة أو جماعة أو مدينة.

لم يعد السؤال كيف نعيد بناء البيوت، بل كيف نعيد بناء المعرفة بين السوريين أنفسهم، لعلهم يومًا يصنعون خريطة تستمد شرعيتها من إرادتهم لا من قلم غريب رسمها قبل قرن ورماها في أوجه سكّان تكاذبوا حتى بات كل فرد منهم اثنان:

ـ واحد مُعلَن، والثاني مسكوت عنه.

حتى باتت الشخصية السورية، شخصية مسكونة بالأسرار، وما أم جاء البوح حتى أُعلنت الفضيحة.

كان علينا أن نُفتَضح أكثر، علّنا نستهلك ما ادّخرناه من فضائح، أن نغتسل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى