
صندوق المرصد
لم يعد ما نراه حولنا مجرد أزمات سياسية أو انهيارات متتابعة في دول المشرق العربي، بل مشهدًا أشمل يُشبه نهاية فصلٍ طويل من التاريخ.
فمنذ سقوط بغداد عام 2003 إلى انكسار دمشق عام 2024، يسدل المشرق الستار على ما كان يُعرف بـ”مشروع الدولة الوطنية”، المشروع الذي وُلد من رحم الثورة العربية الكبرى، ورافق القرن العربي الأول بوصفه حلمه الأكبر.
لم يكن سقوط نظامي البعث في العراق وسوريا مجرد نهاية لحزبٍ حاكم أو أيديولوجيا مهترئة؛ بل كان سقوطًا لمفهوم الدولة الوطنية ذاته، ذلك المفهوم الذي حاول أن يجمع بين فكرة العروبة، والسيادة، والمواطنة، والوحدة الاجتماعية ضمن كيان سياسي واحد.
والحق أن البعث، رغم طغيانه، كان في جوهره امتدادًا لذلك الطموح القومي الذي رأى في الدولة أداةً لبناء الأمة. لكن ما تبع سقوطه لم يُنتج تحررًا ولا ديمقراطية، بل فراغًا وجوديًا لم يملأه سوى الانتماء الطائفي والعشائري والمناطقي.
اليوم، ما بقي من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين ليس دولًا بالمعنى الحديث، بل جغرافيات قانونية يعيش فيها بشرٌ لا يجمعهم عقدٌ وطني، بل ماضٍ من الشكوك والدماء.
في العراق وحده، شهد عقدٌ واحد حربين أهليتين، ومجازر طائفية، وتطهيرًا عرقيًا، وانفصالات أُجهضت لا لأن أحدًا أراد الوحدة، بل لأن الجميع خاف من ثمن الانقسام.
وفي سوريا، انهار العقد الاجتماعي مع أول رصاصة في 2011. تحولت الوطنية السورية إلى ذاكرة منسية، تائهة بين من يرى نفسه علويًا أو سنّيًا أو كرديًا، وبين من يسأل ساخرًا: “إيش يعني سوري”؟
حتى الرموز التي شكّلت معنى الدولة – من عيد الشهداء إلى صور سلطان باشا الأطرش – جرى محوها من الوعي الجمعي، كأنما يُراد لهذا التاريخ أن يُمحى ليُكتب بلغة الطوائف لا بلغة الوطن.
لبنان ليس بعيدًا عن هذا المصير، فالدولة التي وُلدت كصفقة بين الطوائف، باتت اليوم تعيش على حافة الزوال. اللبنانيون يعرفون أن دولتهم باقية فقط لأن انهيارها الكامل أكثر كلفة من بقائها الهشّ. إنها دولة لم يعد أحد يؤمن بها، بل يُبقيها الجميع حية كجثة يُخشى دفنها.
أما فلسطين، فقد تحولت قضيتها – التي كانت في زمنٍ ما مرآة الوعي العربي – إلى مساحة تنازع بين سلطتين بلا سيادة، وبين وعيين وطنيين لم يعودا يلتقيان.
انتهت فلسطين بوصفها رمزًا جامعًا للعرب قبل أن تنتهي جغرافيًا.
وحده الأردن، حتى الآن، ما زال يُمسك بخيط تلك الفكرة الأولى: فكرة الدولة التي وُلدت من رحم الثورة العربية الكبرى، وما تزال تُدار بمنطق الدولة لا الميليشيا.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة عابرة، بل نهاية فكرة.
نهاية “الدولة الوطنية” كما تخيّلها جيل ما بعد الاستقلال.
ربما سيأتي زمن جديد بفكرٍ جديد وأطرٍ مختلفة للحكم والانتماء، لكن المؤكد أن ما كان يُسمى يومًا “الدولة الوطنية العربية” قد انتهى، ومعها انتهى قرنٌ كامل من الحلم العربي.
الأسئلة الكبرى اليوم ليست كيف نُصلح الدولة، بل:
هل ما زال ممكنًا أن نكون جماعة سياسية واحدة؟
وهل ثمة معنى باقٍ لكلمة “وطن” في أرضٍ لم تعد تعرف من هو ابنها؟




