مرصد مينا
شبكة تمويل وتجنيد واسعة تمتد بين سوريا ولبنان
كشفت تحقيقات موسّعة لوكالة رويترز نشر اليوم الجمعة استندت إلى مقابلات مع 48 شخصاً مطّلعين بشكل مباشر على التحركات الأخيرة داخل الطائفة العلوية، إضافة إلى مراجعة تسجيلات مالية ووثائق عملياتية ورسائل متبادلة، أنّ رامي مخلوف واللواء كمال حسن-وهما من أبرز رجال بشار الأسد سابقاً-يعملان على إعادة تشكيل قوة مسلّحة ضخمة في الساحل السوري ولبنان، أملاً في إشعال انتفاضتين ضد الحكومة الجديدة واستعادة نفوذهم الذي فقدوه بعد سقوط النظام أواخر 2024.
المصادر تشير إلى أن الرجلين يمولان عشرات الآلاف من المقاتلين بميزانيات تقدر بالملايين، وسط تنافس محتدم بين فصائل وشخصيات أخرى داخل البيئة العلوية لضمان الولاءات والسيطرة على المناطق الحساسة في الساحل.
صراع نفوذ بين ثلاثة رجال: مخلوف، حسن، وماهر الأسد
أفادت مصادر عدة بحسب الوكالة أنّ اللواء كمال حسن والملياردير رامي مخلوف يركزان على بناء ميليشيات محلية تضم أفراداً من الطائفة العلوية، في وقت يحافظ فيه ماهر الأسد، المقيم في موسكو، على ولاء آلاف الجنود السابقين رغم عدم تقديمه أي دعم مباشر حتى الآن.
ويعمل مخلوف وحسن على السيطرة على شبكة تضم 14 غرفة قيادة تحت الأرض شُيّدت في أواخر عهد الأسد، وتحتوي على أسلحة واتصالات وتجهيزات لوجستية.
وقد تحولت هذه المنشآت إلى محور الصراع بين الأجنحة المتنافسة، باعتبارها “الكنز الاستراتيجي” القادر على تغيير موازين القوة.
وثائق تكشف حجم القوات والتسليح المنتشر في الساحل
وثّقت رويترز تسجيلات داخلية تظهر أن كمال حسن يدّعي سيطرته على 12 ألف مقاتل، بينما يؤكد مخلوف أن لديه ما لا يقل عن 54 ألف عنصر.
ورغم أن المقاتلين يتقاضون رواتب متواضعة، إلا أن الوثائق تكشف تحويلات مالية شهرية ضخمة من مخلوف وحسن، تشمل رواتب ومعدات واتصالات وحتى دعم عائلات علوية كجزء من محاولة تكريس النفوذ الاجتماعي.
غرف القيادة المنتشرة على امتداد الساحل السوري، على طول 180 كيلومتراً، تضم مخازن أسلحة من بنادق كلاشنيكوف وذخائر وعبوات ناسفة، إضافة إلى أجهزة اتصال وحواسيب. لكنها-وفق مصادر مطّلعة-شبه معطلة حتى الآن.
خيبة ضباط النظام السابق ومحاولات بعث نفوذ جديد
بعد سقوط النظام، بقيت شريحة واسعة من الضباط المتوسطين داخل سوريا، خصوصاً في الساحل، وبدأ كثير منهم بتجنيد شبان علويين كانوا سابقاً ضمن تشكيلات الجيش النظامي الذي انهار فجأة عند سقوط الأسد.
هذه البيئة شكّلت الأرضية التي انطلقت منها عمليات التجنيد ومحاولات إعادة تنظيم مجموعات مسلّحة موالية لشخصيات من النظام السابق.
أحد هذه المحاولات ظهرت في السادس من مارس حين نفذت مجموعة محلية كميناً ضد قوات الأمن التابعة للحكومة الجديدة في ريف اللاذقية، ما أدى إلى مقتل 12 عنصراً وأسر أكثر من 150.
وقد وصف الضابط الذي قاد العملية تلك بأنها “انتفاضة فاشلة” جرى احتواؤها سريعاً.
ماهر الأسد.. اللاعب الغائب الحاضر
يُنظر إلى ماهر الأسد على أنه الشخصية الأكثر قدرة على توحيد قوات النظام السابقة، نظراً لسيطرته الطويلة على الفرقة الرابعة وشبكاتها المالية التي كانت أشبه بـ”دولة داخل الدولة”.
وتشير تقارير بحثية أميركية إلى أن الفرقة الرابعة حافظت على استقلال مالي واسع حتى اللحظات الأخيرة من عهد بشار الأسد.
وتؤكد مصادر عسكرية أن الإمبراطورية المالية التابعة لماهر الأسد ما زالت تعمل في الخفاء، باستثناء تجارة الكبتاغون التي توقفت بعد سقوط النظام.
رامي مخلوف من موسكو.. إدارة مالية وتسليحية خلف الستار
بعد هروبه إلى لبنان ليلة سقوط النظام، ظهر رامي مخلوف في موسكو حيث يقيم في طابق خاص من أحد الفنادق الفاخرة. وتُظهر سجلات مالية أن مخلوف حوّل ملايين الدولارات لتجنيد مقاتلين وشراء أسلحة عبر وسطاء في لبنان وروسيا، إضافة إلى تجهيز مخابئ أسلحة جديدة.
وتبيّن الوثائق أنه أنفق خلال أشهر فقط أكثر من ستة ملايين دولار على الرواتب، بينها دفعات لمجموعات يصل تعدادها إلى خمسة آلاف مقاتل. كما بحثت فرق تابعة له عن عشرات المخابئ القديمة التي تعود لفترة حكم الأسد.
كمال حسن.. رجل المخابرات السابق يعيد تشكيل شبكته
يصف ضباط سابقون اللواء كمال حسن بأنه الأكثر اندفاعاً لإعادة تأسيس نفوذه. فقد أدار سابقاً منظومة الاحتجاز العسكري، وكان مرتبطاً بملفات فساد وابتزاز مالي. وبعد هروبه، أقام لفترة داخل السفارة الروسية بدمشق، قبل أن ينتقل إلى موسكو للإقامة في فيلا واسعة.
حسن-وفق مصادر مقربة-أنفق 1.5 مليون دولار منذ مارس الماضي على شبكات مقاتلين في سوريا ولبنان. كما أطلق “منظمة إنماء سوريا الغربية”، التي تم تقديمها كجمعية خيرية لكنها، بحسب ضباط مرتبطين بها، تستخدم كغطاء لتعزيز حضوره داخل الطائفة.
معركة إلكترونية موازية لضرب الحكومة الجديدة
إلى جانب العمل الميداني، جند حسن نحو 30 خبيراً سابقاً في المخابرات العسكرية لتنفيذ هجمات إلكترونية ضد الحكومة الجديدة وزرع برامج تجسس في أنظمتها.
وبحلول سبتمبر، ظهرت بيانات حكومية سورية مسروقة معروضة للبيع في الإنترنت المظلم، بينها بيانات موظفين في وزارتي الصحة والاتصالات.
خالد الأحمد.. رجل الطائفة الذي يقود دور التهدئة
تعتمد الحكومة الجديدة بشكل أساسي على خالد الأحمد، الحليف السابق للأسد، الذي لعب سابقاً دوراً محورياً في إدارة ميليشيات الدفاع الوطني.
وبعد سنوات من التوتر مع الأسد ومضايقته له، غادر سوريا، قبل أن يتحول لاحقاً إلى شخصية فاعلة في جهود إسقاط النظام.
رسائل صوتية مسربة تعود إلى أواخر 2024 تظهر الأحمد وهو يدعو ضباطاً كباراً للتخلي عن بشار الأسد، واعداً بالعفو مقابل تجنب سفك الدماء.
واليوم يعدّ الأحمد أبرز شخصية علوية داخل سوريا، ويتولى دوراً مركزياً في المصالحة وتعزيز الثقة بين الحكومة الجديدة والمجتمع العلوي.
كشف خلية تابعة لمخلوف في الساحل
وفي ظل تصاعد نشاط الفصائل الموالية لمخلوف وحسن، أعلنت وزارة الداخلية في أواخر أكتوبر اعتقال خلية أمنية في الساحل قالت إنها ممولة من مخلوف وكانت تخطط لاستهداف صحافيين وناشطين، في إشارة واضحة إلى اتساع رقعة الصراع الخفي داخل البيئة العلوية بين أجنحة النظام السابق.



