رأيصندوق المرصد
أخر الأخبار

هل أخذ مكانه تحت الشمس؟

صندوق المرصد

منذ “مكان تحت الشمس”صدور كتابه ، قدّم بنيامين نتنياهو رؤية سياسية تقوم على عقيدة صارمة ترى أن لليهود حقًا مطلقًا في كامل “أرض إسرائيل”، من النهر إلى البحر، وأن أي وجود فلسطيني عليها يجب أن يكون خاضعًا لشروط استثنائية أو مستبعدًا تمامًا.

هذا الكتاب ليس مجرد دراسة سياسية، بل هو إعلان مبطّن بأن القوة والأمن والتاريخ الديني وحدها تكفي لتبرير السيطرة، بغض النظر عن العدالة أو الحقوق الإنسانية أو التوازن الدولي.

على الأرض، ترجمت هذه العقيدة إلى سياسات واضحة:

ـ توسعت المستوطنات، وعمّدت البنى التحتية لتأمين السيطرة على الضفة الغربية، وتم رفض أي فكرة لدولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية. اتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية لم تكن تعبيرًا عن إرادة سلام، بل كانت تتويجًا لفلسفة القوة: احترموا إسرائيل لأن قوتها تجعلها غير قابلة للتحدي، وليس لأنها اختارت العدالة أو الاعتراف بحق الآخر.

العمليات العسكرية المستمرة، واستهداف الرموز الفلسطينية والإقليمية، والسيطرة الأمنية المطلقة، كلها أدوات لحماية الدولة، لكنها لا تنتج حلًا سياسيًا ولا تنهي دوامة العنف التي يفرضها هذا النهج نفسه.

لكن الواقع يفرض حدوده على هذه العقيدة: السيطرة الكاملة على الأراضي التاريخية لم تتحقق، والصراع مع الفلسطينيين مستمر، بينما التوسع العسكري والسياسي لا يحل جذور النزاع. على الصعيد الداخلي، أثارت محاولات نتنياهو لتقويض استقلال القضاء انقسامات حادة، وأظهرت أن فلسفة القوة المطلقة تأتي بثمن أخلاقي وسياسي باهظ، إذ لا يمكن لبقاء الدولة على المدى الطويل أن يقوم على الاستبعاد الدائم للآخر ورفض الاعتراف بحقوقه.

عقيدة نتنياهو تكشف أن الفلسطيني يُنظر إليه كتهديد دائم، وأن الأرض ليست مساحة للتسوية المشتركة بل مسرحًا للصراع الاستراتيجي. الاعتماد على الرواية التوراتية لتبرير السيطرة يوسع الهوة بين الروايتين التاريخيتين ويكرّس إدارة صراع مفتوح بلا نهاية. ما تحقق من كتابه هو تفوق عسكري وسيطرة جزئية، لكن ما لم يتحقق يفضح حدود فلسفة لا تعترف بالآخر، ولا تمنحه حقًا متساويًا في الحياة والسيادة.

يظل “مكان تحت الشمس” وثيقة سياسية مركزية، لكنها وثيقة تفضّل القوة على العدالة، والسيطرة على التسوية، وتكرّس الصراع أكثر مما تحلّه.

نتنياهو قد يكون نجح في تأمين “مكان” لإسرائيل، لكنه فشل في ضمان أن يكون هذا المكان تحت شمس سلام حقيقي، وبات تحت شمس صراع متواصل يزداد سخونة، ليطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا صارخًا:

ـ هل يمكن لأي دولة أن تكون آمنة ومستقرة إذا أُقيمت على عقيدة الاستبعاد والرفض الدائم للاعتراف بالآخر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى