الأمم المتحدة بين الحاجة والخذلان

صندوق المرصد
يبدو أن العالم، على الرغم من كل التغيّرات الجيوسياسية، لا يزال أسير قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة. فمهما تراجعت مكانة المنظمة في الرأي العام، تبقى هي المسرح الوحيد الذي يتيح للدول، كبيرة كانت أم صغيرة، أن ترفع صوتها، ولو شكليًا، في وجه قوى كبرى تتحكم بمصير العالم. غير أن هذا المسرح يشيخ.
الأمين العام أنطونيو غوتيريش، وقد أوشك عهده على الانتهاء، لم يقدّم أكثر من لغة ديبلوماسية حذرة، محشوّة بالعبارات الدائرية التي لا تُغضب أحدًا، وخصوصًا الولايات المتحدة. وهذا ليس جديدًا: فمنذ تأسيس المنظمة، كانت واشنطن الممول الأكبر وصاحبة النفوذ الأوسع، حتى باتت الأمم المتحدة أقرب إلى ظلّ أميركي ممدود على العالم.
لكن المفارقة أن العالم لا يملك بديلاً. لقد تعايشنا طويلًا مع مقولة أن “وجود الأمم المتحدة أفضل من غيابها”، وهي مقولة لا تزال صالحة حتى اليوم. فغيابها يعني الفوضى المطلقة، وحضورها، ولو الشكلي، يمنح الدول فرصة التلويح بالشرعية الدولية، حتى إن لم يكن لهذه الشرعية أنياب حقيقية.
أما الجائزة التي تلوح كل عام في الأفق ـ جائزة نوبل للسلام ـ فقد زادت من تعقيد المشهد. أربعة رؤساء أميركيين حملوها عبر التاريخ، وكأنها شهادة حسن سلوك تُمنح للإمبراطور الذي يملك السيف والنار.
روزفلت نالها لأنه أنهى حربًا بين روسيا واليابان، وويلسون لأن عصبة الأمم خرجت من عباءته، وكارتر لأنه عاش عمرًا كاملًا يبحث عن السلام الحقيقي، وأوباما لأنه وعد العالم باتفاق نووي لم يعمّر طويلًا.
هنا المفارقة الأكثر إيلامًا: الجائزة التي يفترض أنها تجسّد ضمير الإنسانية، تحوّلت في حالات كثيرة إلى أداة سياسية، تُمنح لأصحاب النفوذ أكثر مما تُمنح لصنّاع السلام الفعليين.
ترامب، مثلاً، لم يتردد في الغضب العلني لأن لجنة نوبل لم تضع اسمه على القائمة. وكأن الجائزة باتت، في المخيال السياسي، أثمن من كرسي البيت الأبيض.
في النهاية، الأمم المتحدة ليست على وشك الانهيار، لكنها أيضًا ليست في موقع القوة. هي كائن معلق بين حاجتنا إليها وخيبتنا منها. أما نوبل، فهي مرآة أخرى تُظهر كيف يمكن أن يختلط السلام بالسياسة، وأن تتحول الجائزة إلى وسام دبلوماسي أكثر من كونها تكريمًا لنضال حقيقي.
العالم اليوم، إذ ينظر إلى الأمم المتحدة، يرى بوضوح مأزق المؤسسات الدولية: نحتاجها، ننتقدها، وربما نستخفّ بها، لكننا في النهاية لا نستطيع الاستغناء عنها.



