رأيصندوق المرصد
أخر الأخبار

الإجابات المؤجلة، عن الأسئلة المحققة.. حماس ـ إسرائيل، هل “دافنينا معاً”؟

صندوق المرصد

منذ صباح السابع من أكتوبر 2023 لم تهدأ الأسئلة في إسرائيل ولا خارجها:
ـ كيف تمكّنت حماس من تنفيذ هجوم بهذا الحجم، وبهذه المفاجأة، في مواجهة جيش يُفترض أنه من الأقوى استخبارياً في العالم؟

كل ما تكشّف منذ ذلك اليوم لا يشير إلى مؤامرة مؤكدة بقدر ما يكشف عن سلسلة من الإخفاقات العميقة، وقرارات قيادية مترددة، وسياسات تراكمت لسنوات ومهّدت لوقوع الكارثة.

تقارير الشاباك التي كُشف عنها لاحقاً تؤكد أن الجهاز قدّم تحذيرات متكررة على مدار عام 2023 للقيادة السياسية، حذّر فيها من تصاعد قدرات حماس، ومن أن سياسة “إدارة الصراع” القائمة على السماح بتدفق الأموال القطرية إلى غزة مقابل هدوء نسبي، لم تعد كافية لكبح جماح الحركة.

رئيس الشاباك نفسه اعترف بأن ما جرى كان نتيجة تراكم سياسات، وأن ما بنته حماس عسكرياً كان مرئياً ومعلوماً، بل وممكّناً ضمن معادلة سياسية واقتصادية أرادتها الحكومة الإسرائيلية، وأن فشل الأجهزة لم يكن استخباراتياً بحتاً بقدر ما كان فشلاً في ترجمة التحذيرات إلى قرار سياسي أو عسكري استباقي.

الأخطر من ذلك أن التقارير تشير إلى أن الشاباك أصدر تحذيراً في فجر السابع من أكتوبر، حوالي الساعة الثالثة صباحاً، حول نشاط غير عادي على حدود غزة واحتمال نية هجومية، لكن الاستجابة جاءت بطيئة ومترددة.

هذه الساعات الفاصلة بين التحذير والكارثة ستبقى مفتاح كل لجنة تحقيق لاحقة، لأنها كانت كفيلة بإنقاذ مئات الأرواح لو جرى اتخاذ قرار بتعبئة القوات على نحو عاجل.

الجيش نفسه اعترف لاحقاً بفشل مؤسسي شامل، وبلحظة غرور أمني جعلت قياداته تستهين بقدرة حماس على تنفيذ عملية واسعة، فظنوا أن أي تصعيد سيكون موضعياً أو رد فعل محدود على استفزاز، لا عملية منظمة بهذا الحجم.

شهادات الجنود التي خرجت إلى العلن بعد أشهر صبت الزيت على نار الشكوك. أحد الجنود الذين خدموا في المستوطنات القريبة من غزة، وظهر في جلسة موثقة أمام الكنيست، قال إنه تلقى هو وكتيبته أمراً واضحاً بعدم الاشتباك أو الرد قبل الساعة التاسعة صباحاً، بينما بدأ الهجوم عند السادسة والنصف.

هذا التصريح الذي انتشر على يوتيوب أثار عاصفة سياسية وإعلامية، إذ بدا كأنه يلمح إلى أمر متعمد بتأجيل الرد، أو على الأقل تردد قيادي في منح الضوء الأخضر للقتال. بالنسبة للبعض كان هذا دليلاً على وجود خلل عميق في منظومة القيادة والسيطرة، وربما أكثر من ذلك: قرار استراتيجي بالانتظار حتى تتضح الصورة، حتى لو كان الثمن باهظاً.

لم يخرج حتى الآن أي تحقيق رسمي ليؤكد أن مثل هذه الأوامر صدرت بمستوى سياسي أو أنها كانت جزءاً من خطة محسوبة، لكن وجود شهادة علنية موثقة أمام البرلمان يكفي لتثبيت الشكوك في وجدان الرأي العام.

هذا التردد، سواء كان نتيجة فوضى وارتباك أو قرار متعمد، أصبح جزءاً من السردية الأوسع التي ترى أن ما حصل في السابع من أكتوبر لم يكن مجرد فشل استخباراتي، بل انهيار كامل لعقيدة الأمن الإسرائيلية التي تقوم على الضربة الاستباقية ورد الفعل السريع. ولذلك يطالب كثيرون اليوم بلجنة تحقيق حكومية مستقلة، تتجاوز تقارير الجيش والشاباك، وتذهب إلى جذور القرار السياسي: لماذا لم تُترجم التحذيرات إلى تعبئة؟ ولماذا تُركت المستوطنات تواجه مصيرها ساعات طويلة قبل وصول الدعم؟ وهل كان ذلك مجرد خلل بنيوي، أم أن القيادة كانت تريد أن تهتز البلاد لتبرير حرب واسعة في غزة تغيّر المعادلة كلها؟

هذه الأسئلة لا تجد حتى الآن جواباً حاسماً. ما يتكشف يوماً بعد يوم هو فسيفساء من تقارير، شهادات جنود، انتقادات من عائلات الضحايا، وتحقيقات جزئية، كلها ترسم لوحة قاتمة عن دولة فوجئت على حدودها رغم أن كل المؤشرات كانت أمام أعينها. وبين من يرى في ذلك تواطؤاً سياسياً متعمداً، ومن يراه فشلاً مهنياً مأساوياً، تبقى الحقيقة رهينة ما سيكشفه المستقبل من وثائق وتحقيقات كاملة.

لكن المؤكد أن 7 أكتوبر صار لحظة تأسيسية جديدة في الصراع، أعادت صياغة المعادلات السياسية والعسكرية، وأجبرت إسرائيل على مواجهة سؤال مرير: هل انهارت منظومة الأمن لأنها قصّرت، أم لأنها أرادت أن تسمح بالانهيار كي تعيد بناءها على نحو أشد بطشاً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى