الشجاعة السياسية.. الدرس الذي لم نتعلمه بعد

صندوق المرصد
بينما تتوالى الأزمات السياسية في عالمنا العربي، من الانقسام الحاد بين القوى المتناحرة إلى التردد في اتخاذ قرارات مصيرية تمس حياة الناس، يخيّل إلينا أن ما ينقصنا ليس العقول ولا الخبراء ولا حتى الحلول، بل ينقصنا شيء واحد: الشجاعة السياسية.
تلك الشجاعة التي وصفها الرئيس الأمريكي جون كينيدي يومًا بأنها “الدواء للجهل والخوف”، إذ رأى أن على القائد أن يختار الصواب لا ما هو شعبوي، وأن يمضي في الطريق الصعب حين يكون الطريق السهل خيانة للمستقبل.
الشجاعة السياسية ليست تهورًا ولا استعراضًا إعلاميًا، بل هي قدرة القائد على أن يقول “لا” حين يقول الجميع “نعم”، أو أن يقول “نعم” حين يسود الصمت خوفًا من غضب الجمهور أو أصحاب المصالح. هي لحظة يضع فيها السياسي مصلحة الأمة فوق مصلحته الانتخابية، ويختار أن يخسر شعبية آنية مقابل مكسب استراتيجي للأجيال القادمة.
اليوم، ونحن نواجه ملفات شائكة: إصلاحات اقتصادية مؤجلة، أنظمة تعليم مترهلة، أزمات ثقة بين الشعوب وحكوماتها، نرى السياسيين يهربون من القرارات الجريئة خشية فقدان مقاعدهم أو تعرضهم لهجوم في الإعلام ومواقع التواصل. النتيجة؟ مزيد من التدهور، ومزيد من اليأس الشعبي، حتى أصبحت السياسة في نظر الناس مرادفًا للتردد أو المساومة لا للإرادة والشجاعة.
التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض إلا حين يتوافر لها قادة يمتلكون الجرأة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما يحب الناخب أن يسمعه. غاندي لم يكن شعبيًا حين دعا إلى العصيان المدني، ومانديلا لم يساوم حين كان الثمن حريته، وكلاهما غيّر مسار أمة كاملة.
هؤلاء لم يكونوا معصومين من الخطأ، لكنهم تشابهوا في شيء واحد: امتلكوا شجاعة القول والفعل في وقت كانت الكلفة باهظة.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذا المعنى. الشجاعة السياسية ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية لشعوب تبحث عن الخلاص. ومهما كانت قرارات اليوم صعبة أو مكلفة، فإن كلفتها ستكون مضاعفة غدًا إن نحن واصلنا الهروب.
لا نريد قادة بلا أخطاء، بل قادة لا يهربون من مسؤولياتهم.
لقد آن الأوان لنتعلم الدرس الذي لم نتعلمه بعد: أن السياسة بلا شجاعة تتحول إلى إدارة أزمة مؤقتة، بينما الشجاعة السياسية وحدها تصنع المستقبل.




