الشرع في موسكو: اختبار الإرادة السورية أمام إرث التحالف الروسي

صندوق المرصد
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو زيارة بروتوكولية في ظاهرها فقط، بل كانت – في جوهرها – رحلةً إلى قلب واحدة من أعقد معادلات السياسة الدولية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
فروسيا التي كانت الحليف الأوثق للأسد، وصاحبة اليد الطولى في قرارات الحرب والسلم على الأرض السورية، تواجه اليوم واقعًا جديدًا يفرض عليها إعادة تعريف علاقتها مع دمشق، ومع رجلٍ جاء إلى الحكم في زمنٍ لا يشبه زمن الأسد.
منذ اللحظة الأولى لدخوله الكرملين، كان واضحًا أن الشرع يحمل أجندة مختلفة: يريد أن يطوي صفحة التبعية، دون أن يقطع الجسور مع موسكو. يريد شراكةً مع روسيا الدولة، لا مع روسيا القاعدة العسكرية. فالأسد – كما يعرف الجميع – ربط بقاءه ببقاء الروس في طرطوس وحميميم، فيما يسعى الشرع إلى إعادة صياغة هذه المعادلة على أساس من السيادة والمصالح المتبادلة، لا على أساس الوصاية.
في ميزان الواقعية السياسية، لا يستطيع أحمد الشرع أن يدير ظهره لروسيا. فهذه الدولة التي استثمرت في النظام السابق عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، لن تغادر المشهد السوري بسهولة. غير أن الشرع يملك ما لم يملكه سلفه: شرعية التحول، وورقة إعادة الإعمار، ونافذة الاعتراف الدولي المنتظر. من هنا يمكنه أن يقدّم لموسكو ما يجعلها ترى في التغيير فرصة، لا خسارة.
ما يمكن أن يحصده الشرع من زيارته يتجاوز التطمينات الدبلوماسية. فالحصول على اعتراف روسي بالنظام الجديد هو المفتاح الأول لتثبيت الشرعية الخارجية. كما يمكنه – إن أحسن قراءة اللحظة – أن يحوّل موسكو إلى شريك اقتصادي واستثماري في مرحلة إعادة الإعمار، بدل أن تبقى طرفًا عسكريًا فحسب. بهذه الطريقة، يمكن للشرع أن يعمّق علاقته بروسيا على قاعدة “المصلحة المشتركة” لا على قاعدة “الحماية السياسية”، لكن التحدي الحقيقي يبرز عند سؤالٍ أكثر حساسية:
ـ هل يستطيع أحمد الشرع أن يقنع بوتين بتسليم بشار الأسد لمحاكمته؟
الجواب الواقعي: ليس بسهولة. فبوتين لن يسلم رجلًا كان حليفه الميداني، لأن ذلك سيعني اعترافًا ضمنيًا بمسؤولية روسيا عن جزء من جرائم الحرب التي ارتكبت على الأرض السورية. إلا أن السياسة ليست دائمًا طريقًا مستقيمًا، وقد يجد بوتين في “مخرج مشرف” للأسد – عبر نفيٍ آمن أو اعتزالٍ صحي – وسيلة لتخفيف الضغط الدولي دون أن يخسر ماء الوجه، من جهته، يمكن للشرع أن يبني على ذلك ليطلق مشروع عدالة انتقالية سورية، يوازن بين الحاجة إلى المحاسبة، ومتطلبات المصالحة الوطنية. عندها فقط، لن يكون تسليم الأسد هدفًا انتقاميًا، بل خطوة في طريق بناء دولة القانون.
زيارة موسكو، بهذا المعنى، ليست مجرد محطة في روزنامة الرئاسة السورية الجديدة. إنها اختبار الإرادة السورية أمام حليفٍ تاريخي لم يعتد أن يُعامل من موقع الندّية. فإذا نجح أحمد الشرع في تحويل العلاقة مع روسيا من علاقة “نظامٍ تابع” إلى علاقة “دولةٍ شريكة”، فسيكون قد وضع اللبنة الأولى في استقلال القرار السوري، وأعاد تعريف معنى السيادة في بلادٍ عاشت طويلاً تحت ظل الآخرين.




