
مرصد مينا
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في الحادي عشر من نوفمبر 2025، تتصاعد المخاوف والتوترات السياسية في البلاد، سواء بين المكوّنات العرقية والمذهبية، أو بين الأحزاب والكتل السياسية، وسط مؤشرات على تصاعد العنف السياسي والاغتيالات الانتخابية، ما يعكس هشاشة البيئة الديمقراطية في بلد لم يتعافَ بعد تماماً من النزاعات الطائفية واستشراء السلاح غير القانوني.
صفاء المشهداني: أول ضحية سياسية رسمية للانتخابات
شهد العراق حادثة اغتيال سياسية جديدة طالت صفاء المشهداني، عضو مجلس محافظة بغداد والمرشح عن تحالف “السيادة” الذي يقوده رجل الأعمال السنّي خميس الخنجر.
وقع الحادث في منطقة الطارمية شمال بغداد، وهي منطقة سنية يتصارع فيها النفوذ السياسي بين القوى الشيعية والسنية.
المشهداني كان يُعرف بنشاطه في ملف الأراضي الزراعية شمال بغداد، داعماً حقوق أصحاب الأرض ومناهضاً المشاريع التي تتحكم بها جماعات مسلحة نافذة، الأمر الذي وضعه في مواجهة مصالح اقتصادية وسياسية كبيرة.
ويشير محللون إلى أن الاغتيال قد يكون محاولة لإرسال رسالة للمرشحين الآخرين بأن البيئة الانتخابية غير آمنة، لا سيما في المناطق ذات التوتر الطائفي والعرقي.
وفق مصادر قضائية عراقية، فقد تم توجيه الاتهام لأشخاص من المنطقة نفسها بتدبير وتنفيذ عملية الاغتيال لأغراض انتخابية، مما يسلط الضوء على مدى ارتباط النفوذ السياسي بالتحكم بالمصالح الاقتصادية، خصوصاً في مناطق “حزام بغداد” ذات الأهمية الاستراتيجية.
تصاعد الاستقطاب الشيعي
في تطور داخلي غير مسبوق، قدّم ستة نواب شيعة من البرلمان العراقي شكوى رسمية ضد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، المرشح نفسه للمنصب في الانتخابات المقبلة. الشكوى تتعلق بمخالفات قانونية تتعلق بالتعيينات بالوكالة في دوائر الدولة، وهي أول مرة يحدث فيها تصادم علني بين نواب شيعة ورئيس وزراء شيعي منذ 2003، ما يعكس انقسامات عميقة داخل “الإطار التنسيقي” الشيعي.
النواب الستة وهم: يوسف الكلابي، ياسر الحسيني، فالح الخزعلي، علاء الحيدري، هيثم الفهد، ومحمد نوري، يمثلون كتل شيعية مختلفة. المراقبون يرون أن هذه الشكوى جزء من الصراع على النفوذ والتمهيد للانتخابات، حيث تحاول أطراف داخل الإطار التنسيقي التأثير على الناخبين وتشويه صورة المنافسين.
بين المحاصصة الطائفية والمنافسة السياسية
بعد أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، لا تزال العملية الديمقراطية في العراق تواجه تحديات بنيوية:
أولاً: المحاصصة الطائفية والعرقية: توزيع المناصب السياسية يتم غالباً وفق الانتماء الديني أو العشائري وليس الكفاءة أو البرامج الانتخابية. هذا يشمل الرئاسات الثلاث الكبرى: رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، وصولاً إلى المناصب الإدارية الأصغر.
ثانياً: السيطرة على الموارد والنفوذ: انتشار السلاح غير القانوني يسمح لبعض الفصائل المسلحة بالضغط على العملية السياسية وإعادة رسم خريطة النفوذ بما يخدم مصالحها.
ثالثاً: الاغتيالات والتهديدات الأمنية: حادثة المشهداني قد تفتح باباً جديداً للعنف الانتخابي، إذ يمكن أن يستخدم بعض الفصائل القوة لتصفية المنافسين أو التحكم في مناطق النفوذ.
ويرى خبراء أن الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للديمقراطية العراقية، إذ يجب أن تثبت قدرتها على الصمود أمام النفوذ العشائري والطائفي والتدخلات المسلحة.
دور العشائر وتأثيرها على الناخبين
تلعب العشائر العراقية دوراً محورياً في العملية الانتخابية، حيث يؤثر شيوخ القبائل على الناخبين مباشرة، خصوصاً في المناطق الريفية. ويشير الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي إلى أن تأثير العشيرة يمكن أن يكون إيجابياً، مثل فض النزاعات الاجتماعية، أو سلبياً، عبر فرض مرشحين محددين أو تحفيز الانقسامات بين أبناء القبيلة نفسها.
وفي سياق المنافسة الانتخابية، حاول السوداني والمالكي استخدام هذه الشبكة العشائرية لإيصال رسائل انتخابية مشفرة، تؤكد على النزاهة والالتزام بالبرامج، مع توجيه تحذيرات حول المشاريع المشبوهة واستغلال النفوذ المالي والسياسي.
عراق ما بعد صدام: الديمقراطية بين الكلام والواقع
على الرغم من التغيير الجذري الذي شهده العراق بعد إسقاط النظام السابق، لا تزال الديمقراطية العراقية تواجه قيوداً كبيرة:
–تطبيقات “ديمقراطية الكلام”: الطبقة السياسية تعلن التمسك بالديمقراطية لكنها غالباً تطبقها بطريقة محدودة، حيث تُسمح المعارضة بشكل جزئي وغير كامل.
–الفساد والمحاصصة: تبادل المناصب وفق الانتماء الطائفي أو العشائري يمنع تحقيق العدالة والشفافية.
–تأثير الفصائل المسلحة: يظل السلاح غير القانوني عاملاً رئيسياً في التأثير على نتائج الانتخابات وضمان مصالح بعض الفصائل على حساب إرادة الناخبين.
وبحسب المراقبين، فإن الانتخابات القادمة تمثل تحدياً كبيراً للعراق، خصوصاً مع تصاعد أعمال العنف السياسي، وتنامي الاستقطاب بين الكتل الشيعية، واستخدام العشائر كأداة للضغط على الناخبين.
تحديات الحكومة المقبلة
مع تقدم الوقت نحو الانتخابات، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الحكومة المقبلة التي ستتشكل بعد الانتخابات. التساؤلات تشمل:
- مدى قدرة الحكومة على فرض سيطرتها على الفصائل المسلحة.
- قدرتها على معالجة الانقسامات الطائفية والعرقية داخل البرلمان وخارجه.
- استقرار البيئة الأمنية لضمان انتخابات حرة ونزيهة.
النواب الشيعة الستة والاغتيالات السياسية تؤكد أن الاستقطاب الحاد بين الكتل والقوى السياسية سيشكل أحد أهم العوائق أمام حكومة مستقرة وفعالة.
خلاصة
مع العد التنازلي للانتخابات البرلمانية، يبرز العراق كمشهد معقد من الصراعات السياسية والطائفية، حيث تتشابك القضايا الأمنية، والمصالح الاقتصادية، والانقسامات الداخلية في الكتل السياسية.
ويبقى السؤال المحوري: هل ستنجح العملية الانتخابية في حماية إرادة الشعب العراقي، أم أن التوترات والاغتيالات ستواصل تهديد أسس الديمقراطية التي بدأتها بعد سقوط صدام حسين؟




