نبيل الملحم
ثمة ما يشبه الطقس المقدس في الطريقة التي يتعامل بها الغرب مع الهولوكوست.. متاحف، معارض، أفلام، مناهج دراسية، أيام تذكارية عالمية، جوائز، مؤتمرات، وشبكة كاملة من المؤسسات التي تُعنى بحراسة الذاكرة ومنع النسيان.
ليس في ذلك ما يُعيب من حيث المبدأ؛ فالمأساة النازية واحدة من أكثر الجرائم بشاعة في التاريخ البشري، وتوثيقها ضرورة أخلاقية وتربوية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل الذاكرة إلى أداة إقصاء، وحين يصبح استحضار ألمٍ واحد ذريعة لصمّ الآذان عن آلام أخرى معاصرة.
لا أحد يشكك في ضرورة رواية مأساة اليهود في أوروبا، ولكن من المشروع التساؤل:
ـ هل يسمح هذا التذكّر الدائم بأن نرى ضحايا آخرين، أو أنّه يحجبهم؟
في متاحف الهولوكوست الكبرى، من واشنطن إلى برلين، يقف الزائر أمام روايات مفصلة عن تجريد اليهود من ممتلكاتهم، ومعسكرات الإبادة، والمجازر، والمقاومة اليهودية للنازية.. كل ذلك صحيح وموثق، لكن أين الإشارة، ولو عابرة، إلى أنّ كثيراً من هؤلاء الناجين أو أبنائهم وأحفادهم تحوّلوا إلى قوة احتلال في فلسطين، تمارس القمع والحصار والاستيطان على شعب آخر؟
أين السؤال البديهي:
كيف يمكن لمن ذاق مرارة أن يكون سبباً لمرارة غيره؟
إنّ انتقائية الذاكرة ليست بريئة، حين يتم تضخيم مأساة طرف وإهمال مآسي أطراف أخرى، يجري خلق سردية أحادية تسهّل تبرير سياسات اليوم، فالهولوكوست في الوعي الغربي تحوّل إلى رخصة أخلاقية مفتوحة لإسرائيل، مهما فعلت.
الحصار الخانق على غزة، القصف المتكرر، تهديم البيوت على ساكنيها، تجويع المدنيين، كل ذلك يُدرج تحت عنوان “حق الدفاع عن النفس”.
لا شيء في خطاب الغرب الرسمي يوحي بأن مأساة الفلسطينيين جديرة بالذاكرة أو حتى بالاعتراف.
ولعل الأخطر أن هذا الصمت العالمي يفرغ ذاكرة الهولوكوست نفسها من معناها الإنساني الكوني، فإذا كان الدرس المستخلص من المحرقة هو أنّ على العالم ألا يسمح بتكرارها، فكيف نقبل أن يُعاد إنتاج منطق المعسكرات والحصار في القرن الحادي والعشرين، وعلى مرأى العالم أجمع؟
ـ ما قيمة آلاف الكتب والمعارض إذا لم تمنع أن يأكل أطفال غزة أعشاب الأرض ليبقوا على قيد الحياة؟
لا أحد يطلب محو ذاكرة أحد، بل توسيعها لتشمل الجميع.. الذاكرة التي تحتكر الألم وتقصي الآخرين ليست ذاكرة للعدالة، بل ذاكرة للسلطة، وهي تتواطأ، بقصد أو بغير قصد، في تحويل الضحايا السابقين إلى جلادين حاليين.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في كمّ ما يُنشر عن المحرقة ولا في عدد زوّار المتاحف، بل في قدرة هذه الذاكرة على تجاوز حدودها الضيقة والاعتراف بأن ثمة ضحايا جدد يحتاجون إلى حماية العالم، فالتاريخ لن يرحم أمة تتذكّر موتاها بعناية مفرطة بينما تتغافل عن موتى الآخرين، وإن كان شعار “لن يتكرر أبداً” صادقاً، فيجب أن يشمل الجميع، يهوداً وعرباً، لا أن يكون تعهداً حصرياً يحمي طرفاً واحداً ويبرر جرائمه.
ذاكرة الهولوكوست ستبقى امتحاناً أخلاقياً مفتوحاً، والنجاح في هذا الامتحان يتوقف على قدرتنا على جعلها مرآة تمنع تكرار المأساة، لا أداة تُشرعن استمرارها بشكل آخر، فإما أن تتسع الذاكرة لكل الضحايا، أو تتحوّل إلى أداة نسيان كبرى لضحايا اليوم.




