مرصد مينا
تشهد ليبيا في الآونة الأخيرة مؤشرات على دخولها «مرحلة جديدة» يغلب عليها مزيج من البراغماتية والحذر، بعد سنوات من الانقسام الحاد بين معسكري الشرق والغرب. فكل طرف يسعى اليوم، وفق معطيات قوته وتحالفاته المحلية، إلى توسيع نطاق نفوذه على الأرض دون العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة التي أثقلت البلاد بكلفة بشرية وسياسية عالية.
وفي هذا السياق، يبرز سعي القيادة في شرق ليبيا، ممثلة بالمشير خليفة حفتر، إلى توسيع حضورها الجغرافي بشكل متسارع، مقابل ما يعتبره مراقبون «تراجعاً نسبياً» في دائرة نفوذ حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس.
هذا المشهد المتغير جعل الطرفين يولون اهتماماً متزايداً بالعودة إلى «الحاضنة الاجتماعية»، سعياً لإعادة التموضع سياسياً وميدانياً، ورسم معادلة تأثير جديدة تعيد ترتيب موازين القوة داخل البلاد.
سياق سياسي متحوّل واستياء شعبي متصاعد
يشير سياسيون وأكاديميون ليبيون إلى أن هذا التحول في قواعد اللعبة نابع من حالة احتقان شعبي متنامية تجاه جمود الوضع السياسي واستمرار نفوذ دوائر ضيقة من عائلتي حفتر والدبيبة.
ويعتمد المعسكر الذي يقوده حفتر على إرثه في «مكافحة الإرهاب»، متبنياً خطاباً يدعو إلى «استعادة الأمن»، وهو خطاب يستحضر حالة عدم الاستقرار التي أرهقت السكان على مدى سنوات.
ومع مرور الوقت، أخذت العداوات التقليدية التي طبعت المرحلة السابقة بالتراجع، لتفسح المجال أمام اصطفافات اجتماعية جديدة تعمل على إعادة صوغ «معادلة النفوذ»، رغم بقاء بعض الأطراف المحلية على تحفظاتها.
تمدد جغرافي نحو الجنوب والغرب
قبل تغير هذه المعادلة، كانت خطوط النفوذ محددة بوضوح بين حكومة «الوحدة الوطنية» و«الجيش الوطني الليبي». لكن قيادة الجيش اتجهت مؤخراً إلى توسيع حضورها جنوباً، من سبها إلى القطرون وتراغن وبراك الشاطئ، مستندة إلى مطالب قبائلية تدعو إلى تعزيز الأمن، إضافة إلى تغييرات في البنية القيادية للجيش أُدخل خلالها أبنا حفتر، صدّام وخالد، إلى مواقع متقدمة داخل المؤسسة العسكرية.
ولم يقتصر الحضور العسكري على الشرق، حيث مركز الثقل التقليدي للمشير حفتر، بل امتد أيضاً إلى الحدود مع السودان وتشاد والنيجر والجزائر، مروراً بسرت والجفرة في وسط البلاد.
إعادة بناء الجسور مع الغرب والجنوب
ضمن استراتيجية «توسيع نقاط التواصل»، شهدت بنغازي مؤخراً زيارة وفد من مشايخ وأعيان مدينة الزنتان، في خطوة اعتبرت «غير مسبوقة» في دلالاتها، رغم ما أثارته من ردود فعل غاضبة لدى بعض الأوساط داخل المدينة.
وقد رأى محسنون لهذه الخطوة أنها تعبير عن وعي بضرورة «تجاوز الانقسام» وإعادة النظر في طبيعة التحالفات داخل ليبيا.
ويرى محللون سياسيون أن هذه اللقاءات تعكس انتقال النفوذ من السيطرة الأمنية إلى السعي لتثبيت شرعية اجتماعية وسياسية أوسع؛ إذ كثف صدام وخالد حفتر لقاءاتهما مع قبائل الشرق والغرب والجنوب، بما يسهم في تفكيك إرث الخصومة التاريخية بين هذه المناطق.
عامل القوة والبحث عن الأمن
من ناحية أخرى، يشير مسؤول ليبي سابق إلى أن شريحة واسعة من سكان الغرب أصبحت تفضّل «الاحتماء بجيش منظم، حتى وإن غلب عليه الطابع العائلي»، مقارنة بالارتهان إلى تشكيلات مسلحة متغيرة الانتماءات والولاءات.
ويأتي هذا التحول نتيجة ما خلّفته الاشتباكات الداخلية المتكررة من خسائر بشرية ودمار في المدن المأهولة.
على الصعيد الخارجي، يواصل صدام وخالد حفتر جولات سياسية إلى تركيا وإيطاليا واليونان ومصر والولايات المتحدة، بالإضافة إلى روسيا وبيلاروسيا، وهو ما يعكس سعياً لإعادة صياغة علاقات دولية متعددة الاتجاهات.
معسكر الدبيبة بين الانكماش وإعادة التموضع
في المقابل، يظهر معسكر حكومة «الوحدة الوطنية» في حالة «تراجع نسبي»، وفق محللين، نتيجة الانقسامات الداخلية بين التشكيلات المسلحة وضعف القدرة على إنتاج مؤسسات فاعلة.
ويعتمد الدبيبة في توازن قوته الأمنية على وزارتي الداخلية والدفاع، إضافة إلى مجموعات مسلحة في طرابلس ومصراتة، ويسعى إلى توسيع وجوده جنوب غرب البلاد عبر «اللواء 444 قتال».
أما في الجبل الغربي، فإن السيطرة السياسية لحكومة الدبيبة تختلف من مدينة إلى أخرى، حيث تمارس السلطة نفوذاً متفاوتاً يعتمد على المصالح والظروف الاجتماعية.
مشهد بلا أفق سياسي واضح
في ضوء هذه التداخلات، يبدو المشهد الليبي محكوماً بمعادلة قائمة على تحركات عسكرية وسياسية متبادلة، في ظل غياب رؤية استراتيجية تنهي حالة الجمود المستمرة.
وقد لوح حفتر مراراً بضرورة «حراك شعبي سلمي» للخروج من الوضع الحالي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كان المشهد أمام تحشيد جماهيري مقبل أو إعادة تموضع سياسي مدروس.
وبين هذا وذاك، تبقى ليبيا عالقة في وضع يتسم بـ«البراغماتية الرمادية»، حيث تتعامل القوى الدولية مع كل معسكر بصورة منفصلة، بحسب أولوياتها ومصالحها الخاصة، فيما يستمر المواطن الليبي في مواجهة أزمة سياسية واقتصادية مفتوحة بلا أفق زمني واضح للحل.




