تراكم الأزمات يشعل احتجاجات “جيل زد” بالمغرب.. مطالب واقعية وسط أزمة ثقة بالمؤسسات

مرصد مينا
شهد المغرب منذ أواخر سبتمبر الماضي موجة احتجاجات واسعة تقودها حركة «جيل زد 212»، التي تضم شباباً من مختلف المدن المغربية، أطلقوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصة الألعاب الإلكترونية «ديسكورد» دعوات للتظاهر السلمي تحت شعار محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
بدأت شرارة الاحتجاجات من مدينة أكادير جنوب البلاد، إثر وفاة ثماني نساء حوامل في أقل من شهر داخل مستشفى عمومي، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى مطالبة بتحسين خدمات الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد الإداري.
ورغم الطابع السلمي للمظاهرات في بدايتها، شهدت بعض المناطق أعمال شغب ونهب أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة العشرات من المدنيين ورجال الأمن.
غير أن شباب الحركة سارعوا إلى التبرؤ من العنف، مؤكدين تمسكهم بالسلمية، بينما عزت السلطات أحداث الشغب إلى قاصرين وأطفال.
احتجاجات تعكس أزمات داخلية متراكمة
يرى محللون أن مظاهرات «جيل زد» لا يمكن فصلها عن تجارب شبابية مماثلة في دول أخرى، لكنها في جوهرها تعبّر عن اختناق داخلي وتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية.
يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط أحمد البوز إن «ما يعيشه المغرب من فساد، وتدهور في التعليم والصحة، وغياب العدالة الاجتماعية، يشكل أرضية خصبة لتفجر مثل هذه الاحتجاجات».
ويضيف البوز أن الحركة تشبه في بعض سماتها حركة 20 فبراير التي قادها الشباب عام 2011، مؤكداً أن هناك ما يسميه «ذهنية الاحتجاج» التي ورثها الجيل الجديد من تلك المرحلة، خصوصاً في ما يتعلق بدوره المحوري في تحريك الشارع ومطالبته بالإصلاح.
جيل رقمي بمطالب واقعية
من جهته، يرى الباحث في العلوم السياسية محمد الشهبي أن مصطلح «جيل زد» في المغرب يحمل خصوصية محلية، فهو يشير إلى الشباب المولودين بين أواخر التسعينات وبداية العقد الثاني من الألفية، الذين يتميزون بـوعي رقمي وانفتاح عالمي واسع بفضل منصات التواصل الاجتماعي.
لكن هذا الجيل، كما يوضح الشهبي، ليس نسخة مطابقة لنظيره في الغرب، إذ تنبع مطالبه من واقع اقتصادي واجتماعي ملموس، يرتبط بالبطالة، وضعف الخدمات العامة، وغياب تكافؤ الفرص.
أزمة ثقة في الأحزاب والنقابات
يؤكد مراقبون أن الشباب المغربي اليوم يعيش أزمة ثقة حادة في العمل السياسي والمؤسسات الحزبية، إذ ينظر كثيرون إلى الأحزاب على أنها «دكاكين انتخابية» تفتح فقط خلال الحملات، وتغلق بعد صدور النتائج.
ويشير الشهبي إلى أن الأحزاب فقدت مصداقيتها لغياب برامج جديدة ولارتهانها لمنطق التوافق، ما جعلها تبدو جزءاً من المشكلة لا الحل. كما تراجعت قوة النقابات التي كانت تقود المطالب الاجتماعية، خصوصاً بين فئات الشباب العاطلين عن العمل.
ويضيف أن هذا الفراغ في التمثيل السياسي خلق احتجاجاً بلا قيادة واضحة، يعتمد على الشبكات الرقمية بدلاً من الهياكل التقليدية، وهو شكل جديد من التعبير الاجتماعي يعكس «أزمة ثقة جوهرية في المؤسسات الوسيطة».
بطالة مرتفعة وشباب مهمَّش
تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة في المغرب يبلغ 12.8%، ويصل بين الشباب إلى 35.8%، وبين خريجي الجامعات إلى 19%، وهي أرقام تعكس عمق الأزمة الاقتصادية.
ويقول الأستاذ الجامعي محمد العمراني بوخبزة إن ثلث سكان المغرب تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً، أي أن البلاد تمتلك «رأسمالاً بشرياً هائلاً لم يُستثمر كما يجب». ويضيف: «رغم الجهود المبذولة، بقيت هذه الفئة مهمشة، ما جعلها قنبلة اجتماعية موقوتة».
ويتفق أحمد البوز مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن الجيل الجديد تشكل في سياق وطني يطغى عليه التهميش وتراجع الخدمات العامة وضعف الثقة بالمؤسسات، لافتاً إلى أن الحركة الحالية تترجم هذه الأزمات عبر أساليب احتجاج غير تقليدية، خارج الأطر الكلاسيكية للأحزاب والنقابات.
مطالب واضحة وردود حذرة
تواصل حركة «جيل زد 212» احتجاجاتها في عدد من المدن المغربية بعد أن سمحت السلطات بالتظاهر السلمي عقب انتقادات من منظمات حقوقية محلية ودولية. وفي الوقت ذاته، شددت الحكومة على أنها ستتعامل بحزم مع مثيري الشغب، مؤكدة استعدادها للحوار مع المحتجين.
وقالت الناشطة الشابة إيمان الشيخي (28 عاماً): «نحن نحتاج إلى حلول ملموسة، وليس وعوداً متكررة. نريد تحسين المستشفيات والتعليم العمومي وتخفيض الأسعار، ليثبتوا حسن نواياهم».
ويختتم البوز تحليله بالقول: «المطلوب اليوم إصلاحات عاجلة في التعليم والصحة وفرص العمل، وفتح المجال أمام حرية التعبير والاحتجاج، لأن تجاهل هذه المطالب سيجعل الحوار مجرد وسيلة لكسب الوقت لا أكثر».
أما الباحث الاجتماعي ياسر بلهيبة فكتب في تدوينة أن حركة «جيل زد» “حرّكت الماء الراكد ودقّت ناقوس الخطر”، معتبراً أنها نتاج سياسات تعليمية وإعلامية وأمنية تراكمت عبر السنين، وأنها تمثل جيلاً نشأ بين الخيبة والعنف والبحث عن الكرامة.




