رأيصندوق المرصد
أخر الأخبار

حق تقرير المصير… بين المبدأ والاستغلال

صندوق المرصد

بداية، لا خلاف على أن حق الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ إنساني راسخ، ولا جدال في أن لكل فرد الحق في اختيار هويته وانتمائه كما يشاء، هذا هو الأصل، وهذا ما يميز العالم الحر عن سواه، لكن ما لا يمكن قبوله هو تحويل هذا الحق إلى أداة بيد قوى تنتهك الحقوق كلها، وتمارس القمع والإقصاء وربما الإبادة، ثم تدّعي أنها صوت الحرية.

لا نفهم كيف يمكن لمطلب نبيل كحق تقرير المصير أن يستند إلى دعم قوى دولية ثبت أنها تنتهك هذا الحق في أماكن أخرى، وليس من المفهوم كيف يمكن لعشرات أو مئات أو حتى آلاف التواقيع أن تتحول فجأة إلى “إرادة شعبية جامعة” بينما عشرات الآلاف من الناس صامتون خوفاً من سطوة المجموعات المسلحة التي تتحكم في المدينة.

المشهد الذي تقدمه مقاطع الفيديو المرفوعة على المنصات الاجتماعية قد يكون حقيقياً جزئياً، لكنه لا يمثل بالضرورة إرادة جماعية.. الحقيقة التي يجب قولها بصراحة أن الناس اليوم رهائن للخوف، ولا يستطيعون قول ما يفكرون به فعلاً، وأن من يحاول أن يعبر عن رأي مخالف يعرض نفسه وعائلته للخطر.

نعم، هذه السلطة التي تتحكم اليوم بالمدينة جاءت باتفاق دولي، وهذا لم يعد خافياً على أحد. وهو نفس الاتفاق الذي أسقط أحد أعتى الأنظمة الاستبدادية في التاريخ. لكن البعض يتجاهل أن هذا السقوط ما كان ليحدث لولا أن قوى معينة تصدرت المشهد وقدمت نفسها كبديل مقنع، وأن شخصيات مثل “الشرع” — شئنا أم أبينا — أصبحت تملك قاعدة شعبية حقيقية، ويصعب إنكار قدرتها على التفوق في أي انتخابات حرة تحت إشراف دولي.

السؤال الأهم هنا ليس عن حق تقرير المصير، بل عن المعارضة نفسها:

ـ أين هي؟ من هم منافسو هذه القوى؟

ـ من الذي يملك مشروعاً سياسياً جامعاً يمكن أن ينافس على عقول الناس وقلوبهم؟
الجواب الواضح:

ـ لا يكفي أن نلعن الظلام أو نتباكى على حلم الثورة الذي سرق، بل علينا أن ننتج عملاً سياسياً منظماً، بديلاً مقنعاً، ورؤية تتجاوز المناكفات وردود الأفعال.

إن الحق لا يصان بالشعارات ولا بالدموع، بل بالقدرة على بناء مشروع حقيقي، مشروع يحرر الناس من خوفهم أولاً، قبل أن يحرر الأرض والناس أيضاً ولن يحررك في دمشق، من يستعبدك على مسافة ذراع منها:
ـ ليس بنيامين نتنياهو من يمنحك “حق تقرير مصيرك”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى