رأيصندوق المرصد

دروز سوريا بين الحلم والفخ الإسرائيلي

مرصد مينا

في الجنوب السوري، تتكاثر الأصوات التي تنادي بانفصال دروز السويداء عن الدولة السورية، مطالبةً باستقلالٍ طالما بدا مستحيلاً، ومتباهيةً بما يلوح في الأفق من دعمٍ إسرائيلي معلن أو مضمر.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه مشروع خلاصٍ من الخراب العام، لا يلبث أن يكشف عن نفسه كفخٍّ مُتقن، أقرب إلى الحكاية الشعبية التي كنا نسمعها صغاراً: الغولة التي تربّي الطفل، تسهر عليه، وتطعمه بما لذّ وطاب، كي تسمنه في النهاية وتأكله.

إسرائيل، التي تُقدّم نفسها اليوم كضامنة لمستقبل الدروز في الجنوب، لا تفعل ذلك حباً بالدروز ولا شغفاً بالعدالة. فمشروعها الحقيقي لا يرقى إلى دولةٍ، ولا إلى استقلالٍ، ولا إلى عزّةٍ كما يُروّج البعض تحت غبار المظلومية وضرورة الردّ عليها.

إن أقصى ما تريده إسرائيل هو كيانٌ هشّ، قابل للتوظيف، أشبه بجيبٍ وظيفي على حدودها الشمالية، يضمن لها الأمان الاستراتيجي ويُبقي السوريين في حالة انقسام دائم.

تحت هذا الضوء، يصبح الحلم بـ”دولة جبل الدروز” حلماً جميلاً دون شك، لكنه في جوهره إغراءٌ قاتل.

إنه الحلم الذي يضرب في عمق النفوس لدى فئتين متباينتين:
الفئة الأولى، هي طبقة المستضعفين الذين أُقصوا داخل جماعتهم، وحُمّلوا فوق استضعافهم عبء الإبادة والتهميش، فباتوا يرون في الانفصال خلاصاً من الظلم المزدوج.

أما الفئة الثانية، فهي تلك التي تتوهم أن مشروعاً كهذا سيضعها في موقع المستفيد، السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فتراهن عليه طمعاً في نفوذٍ آتٍ، ولو كان مشروطاً بولاءٍ للخارج.

لكن التاريخ القريب لا يرحم من يكرر الوهم. فكل المشاريع الانفصالية التي وُلدت تحت رعاية قوى كبرى، سرعان ما انتهت إلى مآلات مأساوية، لأن الداعم الخارجي لا يرعى إلا مصالحه، ولا يُطعم إلا ليأكل في النهاية.

الجنوب السوري اليوم أمام مفترقٍ خطير: بين أن يكون عنواناً جديداً في كتاب “الدويلات الوظيفية”، أو أن يظل جزءاً من وطنٍ جريحٍ يحاول لملمة أشلائه. وما على دروز السويداء إلا أن يتذكروا أن المظلومية لا تُعالج بالارتماء في حضن جلادٍ آخر، وأن العزّة لا تُستعار من قوةٍ غريبة، بل تُبنى على وعيٍ جمعيٍّ يرفض أن يكون أداةً في لعبة الأمم.

فالغولة، مهما ابتسمت، تظلّ غولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى