دونالد ترامب، هل كان يعلم؟

قد يبدو ما حدث وكأنه مفارقة سياسية كبرى؛ أن يقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادرة لتسوية قضية غزة قبل يومين فقط من ضربة إسرائيلية موجعة تستهدف قيادات حماس في قطر، بينما تُدار في الوقت نفسه أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة على بعد كيلومترات قليلة من مكان الاستهداف.
المسألة ليست مجرد سؤال عن علم ترامب أو جهله، بل عن طبيعة السياسة الأميركية ذاتها حين تتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
إذا كان ترامب يعلم مسبقاً بخطة الضربة، فإن الأمر يصبح أقرب إلى مناورة سياسية مقصودة تهدف إلى خداع حماس ودفعها إلى التراخي أو إظهار حسن النية بانتظار التسوية المقترحة، لتتلقى الضربة وهي في وضع أقل استعداداً.
هذا النمط من الخداع ليس غريباً على الدبلوماسية الأميركية حين ترتبط بالميدان العسكري، إذ غالباً ما تتحرك واشنطن على أكثر من خط: خط سياسي يعطي الانطباع بالرغبة في الحل، وخط عسكري يتيح لإسرائيل هامشاً أوسع للتحرك على الأرض. في هذه الحالة، تصبح المبادرة السياسية جزءاً من الحرب النفسية، أكثر من كونها مقترحاً حقيقياً لتسوية.
أما إذا افترضنا أن ترامب لم يكن على علم مسبق بالخطة، فإن السؤال يتحول إلى الدور العملي للوجود العسكري الأميركي في قطر. قاعدة العديد ليست مجرد منشأة لوجستية؛ هي مركز قيادة رئيسي للعمليات الجوية الأميركية في المنطقة، وتخضع لمراقبة استخباراتية متقدمة قادرة على التقاط أي تحركات عسكرية ذات شأن.
عدم تدخل القاعدة لمنع الضربة أو حتى التحذير منها يعني أمرين: إما أن واشنطن قررت أن الهجوم الإسرائيلي لا يتعارض مع مصالحها وبالتالي تركته يمر بصمت، أو أن الولايات المتحدة لا تعتبر حماية قيادات حماس جزءاً من مسؤولياتها أصلاً، حتى لو جرى الاستهداف على مقربة من وجودها العسكري.
كلا الاحتمالين يكشف عن حدود الرهان على الدور الأميركي كضامن لأي تسوية مستقبلية، إذ تبقى واشنطن في نهاية المطاف أقرب إلى إسرائيل في ميزان الأولويات، سواء علم الرئيس أو لم يعلم.
بهذا المعنى، تكشف الحادثة عن واقع السياسة الدولية أكثر مما تكشف عن تفاصيل سرية: وجود قاعدة أميركية لا يعني بالضرورة حماية أي طرف محلي من ضربات حليف استراتيجي مثل إسرائيل، والمبادرات السياسية لا تعني بالضرورة نية صادقة في التسوية بقدر ما تعكس رغبة في إدارة الصراع.
ما جرى يفضح مرة أخرى هشاشة المراهنة على الوعود الأميركية ويؤكد أن الميدان يبقى العامل الحاسم، وأن أي حركة سياسية من واشنطن يجب أن تُقرأ دائماً في ضوء ميزان القوة الفعلي وليس بوصفها التزاماً أخلاقياً أو ضمانة.




