رجل الصفقات وقد أبعد عن “نوبل للسلام”

صندوق المرصد
انشغلنا بالتنبؤات، كما انشغل الكثيرون من متطفلي العالم، أما الانشغال فكان عنوانه:
ـ هل ستكون جائزة نوبل للسلام من نصيب دونالد ترامب.
أعلنت النتائج، وخرج دونالد ترامب من السباق وسط أصواتٌ مؤيدة لمنح الرئيس الأمريكي الجائزة، مستندة إلى دوره في اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وإلى خطواتٍ وُصفت بأنها “جريئة” في ملف كوريا الشمالية وبين متشككين بمشروعيته لنيلها، إلا أن لجنة نوبل لم ترَ في تلك التحركات ما يكفي لتكريمه، فظلت الجائزة بعيدة عنه كما بقي السلام بعيد المنال في الملفات التي دخلها (أو بالأحرا لم تكتمل).. وبقي السؤال:
هل يستحق ترامب جائزة نوبل للسلام حقاً؟
منذ تأسيسها عام كانت جائزة نوبل للسلام صورة دقيقة للتحولات السياسية والفكرية في العالم منذ تأسيسها عام1901، فهي تُمنح، بحسب وصية ألفرد نوبل، لمن “يبذل الجهد الأكبر أو الأفضل في إحلال الأخوّة بين الأمم، أو في إلغاء أو تقليص الجيوش، أو في عقد ونشر مؤتمرات السلام”.
لكنّ التطبيق الفعلي للجائزة كثيراً ما تجاوز هذا التعريف الأخلاقي البسيط إلى اعتباراتٍ سياسية، جعلت بعض الجوائز تثير الجدل أكثر مما تثير الإجماع.
مُنحت الجائزة عام 1973 لهنري كيسنجر عن دوره في إنهاء حرب فيتنام، رغم أن يديه لم تكونا نظيفتين من دماء تلك الحرب. كما نالها ياسر عرفات، وإسحق رابين، وشمعون بيريز عام 1994 تقديراً لاتفاق أوسلو، الذي بدا آنذاك وعداً بالسلام، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنه لم يقدّم سوى هدنة مؤقتة في حربٍ طويلة.
وفي المقابل، حصلت شخصيات مثل نيلسون مانديلا والآغا خان الرابع والأمم المتحدة على الجائزة تكريساً لمعانٍ إنسانية واضحة تتجاوز المناورة السياسية إلى الفعل الأخلاقي المباشر.
أما ترامب، فإن معظم ما يُستشهد به في ترشيحه لا يخرج عن إطار الصفقات السياسية أكثر من كونه سعياً مخلصاً للسلام. فـ”اتفاقيات أبراهام” التي رعاها بين إسرائيل وبعض الدول العربية لم تُنهِ حرباً، ولم تُوقف نزيفاً، بل كانت – في نظر كثيرين – تثبيتاً لواقع سياسي قائم لا علاقة له بجوهر العدالة أو التسوية التاريخية. بل إن ترامب في ملفاتٍ أخرى، كإيران أو فلسطين، تبنّى سياساتٍ صدامية عمّقت الاستقطاب بدل أن تضع له حداً.
نوبل للسلام ليست جائزة “للتفاهمات المؤقتة”، بل تكريمٌ للضمير الإنساني حين يعلو على المصالح. وقد كانت، في أحسن تجلياتها، اعترافاً بالذين خاطروا بحياتهم من أجل العدالة أو المصالحة، مثل الأم تيريزا ومالكوم إكس والناشطة الباكستانية ملالا يوسفزاي.
لهذا، لا يبدو أن دونالد ترامب يستحق الجائزة، ليس لأن خصومه كثر، بل لأن ما فعله لم يكن سلاماً بالمعنى الذي أراده نوبل، بل تسوياتٍ مفصّلة على مقاس القوة. والجائزة، مهما تلوثت بالسياسة، ما زال يُفترض بها أن تُمنح لمن يصنع الأمل لا لمن يبرم الصفقات.




