
مرصد مينا
سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بيد قوات الدعم السريع، ليس حدثاً عسكرياً عابراً، بل يُعد منعطفاً حاداً في الحرب السودانية المستمرة منذ أكثر من 18 شهراً.
المدينة، التي صمدت لفترة طويلة أمام حصار قوات الدعم السريع، تمثل رمزاً قوياً للطابع المعقد للصراع، وتشير إلى فشل الدولة المركزية في احتواء النزاعات الداخلية.
سقوط الفاشر أعاد رسم خريطة النفوذ، وأبرز أهمية موازين القوى على الأرض في تحديد مستقبل السودان.
وفقاً للمحللة شمائل النور، فإن سيطرة الدعم السريع على الفاشر ودارفور تعطيها ميزان قوة تفاوضي أقوى، ما قد يؤدي إلى حرب استنزاف طويلة أو تقسيم البلاد وفق سيناريو مشابه لليبيا، إذا تمسّك الطرفان بالحل العسكري.
وتوافقها الباحثة المصرية د. أماني الطويل، معتبرة سقوط الفاشر تحولاً حاسماً في الحرب، ومؤشراً على تفكك الدولة المركزية وتحول السودان إلى أقاليم متنازعة.
لغة الخطاب بين الدفاع والهجوم
بعد ثلاثة أيام من سقوط المدينة، خرج رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، بخطاب دفاعي وتعبوي، وصف فيه قواته بأنها درع الدولة والشعب، مؤكداً أن الانسحاب من الفاشر كان لتجنب القتل الممنهج للمدنيين، وأن المعركة لم تنته بعد، بل هي مرحلة من الحرب ستُحسم لصالح الشعب السوداني. كما جدد وصفه قوات الدعم السريع بأنها ميليشيا مرتزقة، متوعداً بالقصاص.
في المقابل، حاول قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، تصوير سقوط الفاشر بوصفه تحولاً نحو وحدة السودان، نافياً سعيه للسلطة، ومؤكداً التزام قواته بأخلاق الحرب ومنع الاعتداء على المدنيين.
كما دعا المنظمات الإنسانية لإغاثة المواطنين، وأعاد تقديم نفسه كقائد دولة وليس مجرد قائد ميليشيا، مؤسساً لما يُعرف بحكومة «تحالف تأسيس» الموازية في نيالا.
الجدل الديني والسياسي: خطاب الثأر والجهاد
على الجانب الآخر، حاول علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، تحويل المعركة إلى سياق ديني، مستدعياً شعارات الثأر والجهاد السياسي.
وأعاد خطاب كرتي الحرب إلى سياقها العقائدي القديم، وقدم الجيش كـحامي الأرض والعقيدة، مقابل ما وصفه بـ«المتآمرين على الإسلام»، مذكّراً بالمواجهات السابقة مع جنوب السودان.
المحلل السياسي محمد لطيف اعتبر سقوط الفاشر موجه نحو استمرار حرب استنزاف طويلة، محذراً من تحول البلاد إلى كانتونات مسلحة بدل دولتين، محذراً من أن السلاح أصبح متاحاً للجميع، ما يعقد احتمالات الحفاظ على وحدة السودان.
انهيار الدولة وصعود الدعم السريع
الصحافي المصري إبراهيم عيسى رأى أن سقوط الفاشر علامة على تفكك السودان التاريخي، متأثراً بعوامل الإسلام السياسي، والتنوع القبلي، والاستبداد، واعتبر أن البرهان وحميدتي نتاجان لنفس النظام العسكري الإسلامي الذي دمّر السودان.
من جهته، المحامي السوداني حاتم إلياس أشار إلى أن سقوط الفاشر يفتح الباب أمام سيناريو أفريقي للتغيير، حيث تصعد حركة مسلحة إلى السلطة بالقوة، كما حصل في تشاد وأوغندا وإثيوبيا.
حرب استنزاف بلا نهاية
توقعت د. أماني الطويل أن سقوط الفاشر نقل النزاع إلى حرب استنزاف طويلة المدى، لم تعد السيطرة على الأرض المادية فيها هي معيار القوة، بل التحكم في الحركة والمعلومات أصبح الأهم.
بينما رأى الخبير العسكري المقدم متقاعد عمر أرباب أن قوات الدعم السريع قد تحاول استهداف مدينة الأبيض بالمسيّرات والضربات الخاطفة، مع التركيز على مناطق جنوب وغرب كردفان لتعزيز سيطرتها تدريجياً. لكنه استبعد محاولة التوسع شرقاً نحو الخرطوم، لما لذلك من تكلفة عالية على خطوط الإمداد.
كما استبعد أرباب التدخل العسكري الخارجي المباشر، موضحاً أن الدعم سيكون غالباً لوجستياً وسياسياً فقط، وأن تحالفات الجيش المعقدة قد تمنع أي دعم فعلي، ما يزيد تعقيد المشهد السوداني.
الحرب بلا نهاية: وطن يتشظى
سقوط الفاشر لم يكن مجرد سقوط مدينة رمزية، بل تحول إلى معركة بين رؤى متضاربة، بين من يعتبره نهاية الدولة القديمة وبداية دولة جديدة، وبين من يرى في استمرار الحرب ضرورة شرعية تاريخية وعقدية.
في هذه المعركة، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين الجيش وميليشيا، بل أصبحت حرب كل ضد الكل، بلا نهاية واضحة، والكل بات يسعى إلى تعزيز موقفه التفاوضي، بينما يظل الشعب السوداني في قلب دوامة النزاع.




