
صندوق المرصد
منذ دخول “قانون قيصر” حيّز التنفيذ في منتصف عام 2020، أصبحت العقوبات الأمريكية على سوريا عنوانًا لأزمة مركّبة، تجاوزت النظام إلى المجتمع والاقتصاد والبنية المعيشية برمتها. والحديث اليوم عن رفعها أو تخفيفها لا يمكن أن يُقرأ إلا بوصفه حدثًا مفصليًا، سيترك أثره في توازنات الداخل والخارج على السواء.
أربعة أعوام من “قيصر” كانت كافية لتقويض ما تبقى من العصب الاقتصادي السوري. شلّت العقوبات التحويلات، عطّلت الاستثمارات، وحوّلت السوق إلى فضاء للمضاربة والتهريب. رفعها – أو حتى تخفيفها الجزئي- سيعني أولاً عودة بعض القدرة على التنفس المالي.
قد تبدأ بوادرها من المصارف، مرورًا بقطاع الطاقة، وصولاً إلى السلع الأساسية التي باتت تُهرّب عبر الحدود بأثمان مضاعفة. هنا، يمكن أن تُفتح نافذة لعودة رأس المال السوري المهاجر، إن ترافقت الخطوة مع إصلاحات حقيقية في الإدارة والشفافية.
لن يعني رفع العقوبات بالضرورة عودة “الشرعية الدولية” للنظام كما قد يتوهم البعض. فالقانون، وإن كان أمريكيًا في الأصل، ارتكز إلى شبكة معقدة من المواقف الأوروبية والعربية التي ربطت الإعمار بالحلّ السياسي. أي أن واشنطن قد ترفع القيود الاقتصادية دون أن ترفع الغطاء السياسي عن مشروطية الحل وفق القرار 2254.
لكن مع ذلك، فإن الانفتاح العربي على دمشق في العامين الأخيرين -من عمّان إلى الرياض- قد يجد في رفع العقوبات فرصة لترجمة الحراك السياسي إلى مشاريع ملموسة في مجالات الطاقة واللاجئين ومكافحة المخدرات.
ربما يكون المواطن السوري البسيط هو الأكثر انتظارًا لأي كسر في طوق العقوبات. إلا أن رفعها لن يكون عصًا سحرية تُعيد الكهرباء إلى البيوت أو الخبز إلى المائدة. فالعقوبات كانت جزءًا من الأزمة، لا كلها. الأزمة الأعمق تتعلق بالحوكمة، وبغياب منظومة إنتاج وطنية قادرة على استثمار أي انفراج.
من دون إصلاحات داخلية، قد يتحول رفع العقوبات إلى مجرد مساحة جديدة للفساد والاحتكار، كما حدث في مراحل سابقة من “الانفراجات” الشكلية.
في ميزان الإقليم، ستعتبره العواصم العربية بوابة لتطويع دمشق ضمن معادلات الأمن الإقليمي الجديدة ، وستبقى سوريا ملعبًا لتقاطع الإرادات أكثر من كونها لاعبًا فاعلًا، ما لم تستعد الدولة قدرتها على المبادرة.
رفع العقوبات -أو بعضها- قد يفتح الباب، لكنه لا يصنع العبور. فالتحول الحقيقي لن يبدأ بقرار خارجي، بل بإرادة داخلية قادرة على إعادة بناء العقد الاجتماعي، وتوزيع عائدات الانفراج على الناس لا على النخب.
العقوبات جرّدت البلاد من أوكسجينها الاقتصادي، لكن غياب الإصلاح هو من أفقدها قلبها النابض. رفع “قيصر” وحده لا يعيد الحياة، إن لم يترافق مع عدالة، ومصارحة، ورؤية وطنية جديدة.




