رأيصندوق المرصد

سوريا والاتفاقات الإبراهيمية

صندوق المرصد

ـ ماذا لو انضمت سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية؟

السؤال لم يعد مبكّراً، فقد بات على البوابة السورية، أما الحديث عن مثل هذا العنوان، فلا يعود عن دخول سوريا في مسار “الاتفاقات الإبراهيمية” إلى سياق التطبيع السياسي فحسب، بقدر ما يضعنا أمام سؤال أعمق يتعلّق بطبيعة التحوّلات الإقليمية، وبمستقبل فكرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي نفسها.

فالمنطقة اليوم تعيش مرحلة إعادة تموضع شاملة، تتراجع فيها الشعارات الكبرى لمصلحة حسابات البقاء والتنمية والاستقرار، أو على الأقل ما يُعرض على أنه كذلك.

سوريا، كما نعرفها في الوجدان السياسي العربي، كانت إحدى الدول التي رسّخت خطاب “المقاومة” بوصفه إطارًا للسياسات والعلاقات والرمزية. غير أن الحرب الطويلة التي عاشتها البلاد خلال العقد الماضي لم تُرهق الجغرافيا فحسب، بل أرهقت أيضًا اللغة السياسية التي حكمت معنى الدولة السورية منذ السبعينيات.

وسط هذا التبدّل يتقدّم سؤال:

ـ ماذا يعني أن تدخل دمشق اليوم في مسار تطبيع شبيه بذلك الذي مضت فيه دول عربية أخرى؟
أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن دمشق لن تدخل هذا المسار من موقع الفاعل القادر على إعادة صياغة المشهد، بل من موقع المفاوض الباحث عن نافذة خروج من العزلة الدولية الخانقة.

الاتفاقات، إذا ما تمت، ستكون مدخلاً لإعادة فتح البعثات الدبلوماسية الغربية، وتسهيل إعادة الإعمار، وتخفيف الضغوط الاقتصادية. لكن هذه الخطوات لن تأتي بلا ثمن.

ـ الثمن سيكون سياسيًا، واقتصاديًا، وربما دستوريًا أيضًا.

في المقابل، سيشعر الفلسطينيون في سوريا، أولئك الذين حملوا المخيم كذاكرة لا كعنوان سكني، أن إحدى آخر الحواضن الرمزية لقضيتهم قد غادرت موقعها. قد لا ينتهي الصراع الموضوعي بمجرد توقيع ورقة، لكنه سيفقد جزءًا من حمولته الأخلاقية. فالتطبيع هنا لا ينهي الجغرافيا، بل ينهي رواية كاملة عن الذات.

أما الطبقة السياسية الحاكمة، التي صاغت لعقود خطابًا يقوم على “الموت ولا المذلّة”، فستقدّم تفسيرًا جديدًا للسلام يقوم على البراغماتية والعقلانية و«متغيرات الزمن». وسيجد الشارع، المنهك من الحرب والحصار وضيق العيش، نفسه بين قبول الضرورة والصمت، فالناس، في النهاية، لا يقاتلون من أجل الشعارات حين يصبح الخبز نادراً.

ومع ذلك، فإن أخطر ما قد يترتب على هكذا تحول لا يقتصر على الخارطة السياسية، بل يمتد إلى البنية الروحية للبلاد.

سوريا اليوم ليست مجرد دولة على خريطة؛ إنها أحد المراكز الحضارية التي مكّنت الشرق من الاحتفاظ بتعدديته وقداسته وروايته الخاصة.. دخولها في حلف يحكمه المنطق البراغماتي الاقتصادي الخالص قد يُفقدها جزءًا من تلك الخصوصية، ويحوّلها إلى طرف في منظومة إقليمية جديدة تُدار من خارجها.

ـ هل كان بالإمكان تجنّب هذا المسار؟

سوريا اليوم ليست في موقع يسمح لها بأن ترفض بسهولة، بعد أن أصبحت أوراق قرارها موزعة بين موسكو وطهران وأنقرة وواشنطن، وفي الخلفية تلعب إسرائيل دور الضابط الصامت لإيقاع المنطقة.

في المحصلة، دخول سوريا في “الاتفاقات الإبراهيمية” ـ إن حدث ـ لن يكون حدثًا عابرًا. سيكون بداية حقبة جديدة، قد تحمل معها انفراجات اقتصادية وسياسية، لكنها ستترك أسئلة مفتوحة حول معنى الهوية، والذاكرة، والعدالة التاريخية.

السؤال الذي سيبقى معلّقًا هو:
هل نحن أمام سلام ممكن، أم أمام تسوية على حساب الذاكرة؟
والإجابة، كما جرت العادة في هذا الشرق، لن تكون فورية… بل ستكتبها الأجيال التي ستأتي بعدنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى