
مرصد مينا
تستمر تداعيات الانتخابات العراقية الأخيرة في إلقاء الضوء على الصراعات السياسية التقليدية في بغداد، خصوصاً بين مفهوم «الكتلة الأكبر» و«الثلث المعطل»، وهما مفهومان أثارا جدلاً واسعاً على مدار الانتخابات السابقة وما زالا يلعبان دوراً محورياً في تشكيل الحكومة المقبلة.
تجارب سابقة: دروس من انتخابات 2010 و2021
تعود جذور الجدل إلى انتخابات عام 2010، عندما حال تفسير سابق للمحكمة الاتحادية العليا دون تمكن «القائمة العراقية» بزعامة إياد علاوي، رئيس الوزراء الأسبق، من تشكيل الحكومة رغم فوزها بأكبر عدد من المقاعد (92 مقعداً)، بينما حلّ ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي ثانياً بـ89 مقعداً.
وفي حين كان من المفترض دستورياً أن تتولى القائمة الفائزة الأكبر تشكيل الحكومة، قدّمت قائمة المالكي شكوى للمحكمة، التي أصدرت تفسيراً اعتُبر لاحقاً عرفاً سياسياً بأن «الكتلة الأكبر» هي التي يمكن بعد إعلان النتائج أن تكون صاحبة أكبر عدد من المقاعد أو تلك التي تشكّل الكتلة الأكبر داخل البرلمان.
أما في انتخابات عام 2021، فقد منع «الثلث المعطل» زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، من تشكيل حكومة غالبية سياسية رغم فوز قائمته بـ73 مقعداً، مما دفعه إلى الانسحاب من الانتخابات وسحب نوابه من البرلمان.
الثلث المعطل: ممارسة سياسية لا دستورية
يقول خبراء قانونيون إن «الثلث المعطل» لا يستند إلى نص دستوري أو قانون انتخابي، بل هو ممارسة سياسية ابتُكرت من قبل قوى الإطار التنسيقي الشيعي لتعطيل تمرير انتخاب رئيس الجمهورية وبالتالي تكليف رئيس الوزراء.
ويؤكد الباحث القانوني سيف السعدي أن هذا المفهوم «لا ينسجم مع أحكام الدستور»، بينما يشير الخبير علي التميمي إلى أن انتخاب رئيس الجمهورية يتطلب تصويت ثلثي أعضاء مجلس النواب (220 نائباً على الأقل)، وأي غياب لهذا النصاب يؤدي إلى تعطّل تشكيل الحكومة، ما يجعل الثلث المعطل أداة سياسية أكثر من كونه قاعدة دستورية.
تشظي الكتل الشيعية وتفوق السوداني
في الانتخابات الأخيرة، برزت نتائج تشير إلى تشظي واضح داخل كتلة الإطار التنسيقي بعد انشقاق ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عنها.
ورغم ذلك، حصل السوداني على 45 مقعداً، متقدماً بفارق على أقرب منافسيه داخل البيت الشيعي، أي ائتلاف المالكي، ما يجعله لاعباً أساسياً في تشكيل الحكومة المقبلة.
في المقابل، قد تتمكن قوى الإطار التنسيقي من تجميع الكتلة الأكبر من حيث العدد، لكن السوداني، بصفته صاحب أكبر عدد من المقاعد ومقبول دولياً، يحتفظ بفرص كبيرة للمناورة لتشكيل الحكومة المقبلة، خصوصاً مع إمكانية التفاوض على توزيع المناصب والامتيازات.
مبعوث ترامب يشعل المنافسة
سرعان ما دخل مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعراق، على خط الإشادة بنتائج الانتخابات، مقدماً تهانيه للشعب العراقي ورئيس الوزراء السوداني، ومشيداً بالتزام العراق بالحرية وبناء مؤسسات الدولة.
وأكد سافايا استمرار التزام الولايات المتحدة بدعم سيادة العراق وجهود الإصلاح والحد من التدخلات الخارجية، مشيراً إلى أن واشنطن تتطلع لتعميق الشراكة الاستراتيجية مع الحكومة العراقية في مجالات الأمن والطاقة والتنمية.
ويشير مراقبون إلى أن تراجع الدور الإيراني مقابل تعزيز النفوذ الأميركي قد يمنح السوداني ميزة إضافية في التفاوض على تشكيل الحكومة المقبلة.
عودة المشاركة الشعبية وتراجع القوى المدنية
شهدت الانتخابات الحالية ارتفاعاً في نسبة المشاركة لتبلغ 65% مقارنة بـ40% في 2021، رغم غياب التيار الصدري المعارض، ويعزى هذا الارتفاع إلى المنافسة الداخلية بين المكونات الشيعية والسنية والكردية، بدلاً من التنافس التقليدي بين المكونات.
في المقابل، تراجعت القوى المدنية والليبرالية، حيث عزا رئيس تحالف البديل عدنان الزرفي عدم حصوله على مقعد إلى مواجهة «المال السياسي واستغلال السلطة»، مطالباً المفوضية العليا للانتخابات بمحاسبة من سعى لتشويه العملية الانتخابية عبر شراء الأصوات والتجاوزات الأمنية.
مشهد الحكومة المقبلة: حسابات الكتلة الأكبر
بدأت قوى الإطار التنسيقي الإعلان عن نيتها تشكيل الكتلة النيابية الأكبر بعد تصديق نتائج الانتخابات، في محاولة لعزل السوداني، إلا أن مراقبين يؤكدون أن الفوز الذي حققه السوداني سيعيد ترسيم قواعد اللعبة داخل الإطار التنسيقي.
ويظل رئيس الوزراء السوداني، بدعمه الدولي والعدد الكبير من المقاعد، اللاعب الأساسي في تشكيل الحكومة المقبلة، مع استمرار إمكانية وجود منافسين آخرين من بينهم حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، فضلاً عن احتمال طرح قادة الأجهزة الأمنية، بحسب المتغيرات الإقليمية والدولية.




