سورياملفات
أخر الأخبار

كواليس الليلة التي انهار فيها نظام الأسد وهزّت حلفاء إيران في بغداد

مرصد مينا

كان مسؤول أمني رفيع في الحكومة العراقية يستعجل السائق للوصول إلى مطار دمشق، ليلحق بطائرة تعيده إلى بغداد بعد مهمة اعتيادية لتنسيق أمن الحدود شمال شرقي سوريا.لكن البلاد كانت على وشك التحول إلى واقع جديد بالكامل، فيما تتوالى على هاتفه رسائل تفيد بأن «الفصائل السورية تتقدم نحو العاصمة».

على أسوار دمشق، انتظر المسؤول العراقي «ترتيبات استثنائية» مع السلطات الجديدة. ويقول مسؤول سابق في «إدارة العمليات العسكرية» إن اللحظة شهدت أول تواصل مباشر بين «هيئة تحرير الشام» سابقاً ومسؤول عراقي حكومي.

ويؤكد عنصر أمني عراقي كان حاضراً في تلك الساعات أن دخول دمشق تم «بسلاسة غير متوقعة»، برفقة عناصر من «الهيئة» فجر الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، قبل أن تصل الرسالة الصادمة: «بشار الأسد هرب».

مطار دمشق… مدينة أشباح

كان مطار العاصمة السورية خالياً تماماً ليلة سقوط نظام بشار الأسد، حتى ضباط «لواء النقل الجوي» المقربين من المسؤول العراقي اختفوا. لا أحد يفتش جوازات ولا تذاكر، والممر الخاص بالدبلوماسيين مفتوح على الرياح. هكذا غادر الرجل على متن رحلة استثنائية إلى بغداد، فيما بقيت حقيبة أسئلة معلقة عن شكل «سوريا الجديدة».

وفي الوقت نفسه، كانت ميليشيات عراقية تتمركز في سوريا منذ 2011 تترك مواقعها بلا تنسيق، متجهة نحو البوكمال، في رحلة خروج أخيرة أنهت 15 عاماً من «محور المقاومة» الذي يتداعى كالرمال.

انهيار المحور… وقرارات لم يُكشف عنها مسبقاً

شهادات عراقية بارزة جمعتها صحيفة «الشرق الأوسط» في تقرير نشرته أمس الثلاثاء بمناسبة مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد تكشف أن الميليشيات العراقية انسحبت دون معرفة مسبقة بقرارات اتخذتها طهران وموسكو، أو حتى بشار الأسد نفسه، بعدم خوض معركة واسعة للدفاع عن النظام.

ويبدو أن هذه القرارات اتخذت في أوقات مختلفة ومن دون إبلاغ الحلفاء العراقيين إلا في مراحل متأخرة.

وتظهر الشهادات أيضاً أن النقاشات التي دارت لاحقاً داخل الفصائل العراقية خلصت إلى قناعة بأن سقوط الأسد أدى إلى اهتزازات سياسية داخل بغداد، دفعت بعض القوى الشيعية للمطالبة بتعزيز نفوذ الفصائل المسلحة داخل العملية السياسية العراقية، في محاولة لاستيعاب «صدمة الانسحاب من سوريا».

اتصالات السوداني مع الأسد… ثم صمت كامل

في 30 نوفمبر 2024 (أي في اليوم الرابع لمعركة ردع العدوان التي اطلقتها المعارضة) اتصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالأسد بعد أن كانت المعارضة قد سيطرت على ريف حلب.

شدد السوداني حينها على أن «أمن سوريا جزء من الأمن القومي العراقي». لكن بعد يوم واحد، ومع حصار حماة، توقفت الاتصالات نهائياً.

وفي نينوى، حاول قادة فصائل شيعية إرسال دعم إلى سوريا بسبب تراجع أعداد المسلحين الإيرانيين هناك مقارنة بسنوات سابقة. وبحسب مصادر فصائلية، تم تحفيز المقاتلين بشعار «حماية الشيعة والمراقد». لكن الواقع الميداني كان قد تغير جذرياً.

انسحابات بدأت قبل عام… ومعلومات لم تصل بغداد

يؤكد كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء»، أن فصيله انسحب من سوريا نهاية 2023 لأن «المهمة انتهت».

وتشير تقديرات أمنية عراقية وسورية إلى أن سوريا كانت تضم أكثر من 150 ألف مقاتل من «الحرس الثوري» و«حزب الله» وميليشيات عراقية قبل 2018، وهو رقم فاق حجم جيش النظام نفسه آنذاك.

لكن في ديسمبر 2023، سمحت طهران بخروج مجموعات شيعية بعد مشاورات مع الأسد، في خطوة قيل إن وراءها «صفقة إقليمية واسعة». ومع انطلاق «ردع العدوان» في نوفمبر 2024، كان عدد الجماعات الإيرانية قد تقلص إلى بضعة آلاف فقط.

سقوط حماة… ثم حمص… وروسيا تراقب من بعيد

في 2 ديسمبر 2024، حاولت مجموعات شيعية التسلل إلى سوريا عبر طريق عسكري، لكن الطيران الأميركي قصف أرتالهم قرب البوكمال، ما أدى إلى تراجع الحماس للدخول. وفي اليوم التالي كانت المعارضة تسيطر على 14 بلدة في حماة وتبدأ التفرغ لمعركة حمص.

ورغم توقع الفصائل العراقية أن الروس سيوقفون التقدم، لم تستخدم موسكو تفوقها الجوي إلا بشكل محدود، فيما أظهرت مشاهد لاحقة أن الطائرات الروسية بقيت رابضة في حميميم دون تدخل حاسم.

وبحلول فجر 7 ديسمبر 2024، كانت حمص محررة بالكامل، وهو تحول فهم منه «محور المقاومة» أن ما يجري ليس مناورة، وأن «الإيرانيين أنفسهم ربما تعرضوا للخداع أو قد اتخذوا قراراً مبكراً بعدم القتال»، وفق قيادي شيعي.

هروب الأسد… صدمة بغداد السياسية

في صباح 8 ديسمبر، كتب رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي على «إكس»: «على الباغي تدور الدوائر».

سادت الصدمة بغداد. خلال يومين، كانت كل الميليشيات العراقية قد غادرت سوريا، والأسد ظهر في موسكو. وفي 12 ديسمبر، خرج نوري المالكي ليقول إن «ما حدث في دمشق يستهدف تحريك الشارع العراقي».

داخل الغرف المغلقة، كانت القوى الشيعية تبحث عن تفسير لما جرى، وعن سؤال أكبر: «كيف سيتغير العراق والمنطقة بعد سقوط التحالفات القديمة؟».

صراع هوية جديد… وتنافس داخل البيت الشيعي

تزايدت نقاشات شيعية حول مستقبل النفوذ في العراق، مع محاولات لإعادة تعريف الدور السياسي للطائفة بعد انهيار «محور المقاومة» في سوريا.

وطرح البعض مشروع «الفيدرالية الشيعية» الممتدة من سامراء إلى البصرة، لكنه تلاشى سريعاً.
في المقابل، تصاعد الحديث عن «الحاكمية الشيعية»، وشاركت الفصائل المسلحة بقوة في انتخابات 11 نوفمبر 2025، محققة نتائج لافتة:

-عصائب أهل الحق: 28 مقعداً

-منظمة بدر: 18 مقعداً

-كتائب حزب الله (كتلة حقوق): 6 مقاعد

-كتائب الإمام علي: 3 مقاعد

-تحالف خدمات (شبل الزيدي): 9 مقاعد

وتصف مصادر سياسية هذا المشهد بأنه محاولة لبناء «مظلة تحمي الجماعات الشيعية من التفكك» عبر تعزيز حضورها التشريعي والتنفيذي.

سوريا الجديدة… وإيران التي تتغير

في مارس 2025، سُئل قيس الخزعلي عن التعامل مع سوريا الجديدة، فأجاب: «الدولة العراقية تتعامل مع الدول ما دامت تمثل شعوبها».

ويرى قيادي شيعي أن «هروب الأسد كان زلزالاً في الوعي السياسي الشيعي في العراق»، لأنه فجّر سؤالاً أكبر: هل بدأت النظرية الإيرانية نفسها تهتز بعد أربعة عقود من النفوذ؟

ويؤكد أن الجواب «ما زال غير ناضج».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى