التقاريرسورياملفات

من شرق سوريا إلى قنديل: من يتحكم فعلياً بقرار «قسد»؟

مرصد مينا

منذ الإعلان عن تأسيس ما تسمى بـ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) أواخر عام 2015، تحوّلت هذه القوة إلى أحد أبرز الفاعلين العسكريين والسياسيين في شمال وشرق سوريا، ليس فقط بسبب رقعة السيطرة الواسعة التي فرضتها بدعم دولي، بل نتيجة الجدل المستمر حول بنيتها الداخلية، وهوية صانع القرار داخلها، وطبيعة ارتباطها بالقوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف على قوائم الإرهابية في أوروبا والولايات المتحدة وتركيا.

ورغم زعم قيادة «قسد» أن قوامها يصل إلى نحو 60 ألف مقاتل من مكونات متعددة، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً بعد نحو عقد من نشأتها: هل تعكس هذه الأرقام حقيقة موازين القوة داخل التشكيل، أم أنها واجهة تخفي بنية قيادة أكثر ضيقاً وتعقيداً؟

الاسم كأداة سياسية

لم يكن اختيار اسم «قوات سوريا الديمقراطية» تفصيلًا شكلياً، بل جاء في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية مع تصاعد الحرب الدولية على تنظيم «داعش»، وحاجة واشنطن إلى شريك محلي يمكن تسويقه سياسياً وإعلامياً بوصفه قوة جامعة، لا ميليشيا ذات طابع قومي أو أيديولوجي أحادي.

الاسم جمع بين «سوريا» و«الديمقراطية» ليخاطب الرأي العام الغربي، ويمنح الغطاء اللازم لتحالف عسكري مباشر، في وقت كانت فيه وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) موضع جدل واسع بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المصنّف منظمة إرهابية لدى تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

النواة الصلبة خلف الواجهة

رغم الغلاف التعددي الذي رافق الإعلان عن «قسد»، فإن النواة الصلبة للتشكيل بقيت متمثلة بوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة (YPG/YPJ)، وهما الذراعان العسكريتان لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الامتداد السوري لـ(PKK).

وسبق أن أقرّ قائد العمليات الخاصة الأميركية السابق، الجنرال ريموند توماس، عام 2017، بأن إعادة تسمية الوحدات تحت مسمى «قسد» جاءت بطلب أميركي صريح لتخفيف الحساسية السياسية المرتبطة بالتحالف العلني مع (YPG)، في خطوة هدفت إلى الفصل الإعلامي بين «قسد» و(PKK)، دون أن يعني ذلك بالضرورة فصلاً تنظيميًا حقيقياً.

اتهامات حقوقية منذ البدايات

منذ السنوات الأولى لتوسع «قسد»، واجهت انتقادات حقوقية واسعة. ففي أواخر عام 2015، وثّقت منظمة العفو الدولية عمليات تهجير قسري وتدمير منازل بحق سكان عرب في مناطق خاضعة لسيطرة «الإدارة الذاتية»، لا سيما في ريف الحسكة وأجزاء من الرقة، مستندة إلى شهادات ميدانية وصور أقمار صناعية.

وتكررت لاحقاً تقارير صادرة عن جهات أممية ومنظمات حقوقية دولية تحدثت عن اعتقالات تعسفية، وسوء معاملة في مراكز الاحتجاز، وظروف احتجاز قاسية لعشرات الآلاف من الموقوفين، معظمهم على خلفية الاشتباه بالانتماء إلى تنظيم «داعش» أو التعامل معه، في ظل غياب آليات قضائية واضحة.

المعضلة الأميركية والبحث عن غطاء محلي

مع بدء التدخل العسكري الأميركي المباشر في سوريا، وجدت واشنطن في وحدات حماية الشعب القوة الأكثر تنظيماً وقدرة على القتال البري ضد «داعش»، خاصة بعد معركة عين العرب (كوباني). غير أن هذا التحالف فرض معضلة سياسية وقانونية على الإدارة الأميركية بسبب الارتباطات المعلنة لتلك الوحدات بـ(PKK).

الحل جاء عبر إنشاء مظلة أوسع تضم مجموعات عربية ومحلية محدودة، جرى تقديمها بوصفها شركاء متساوين داخل هيكل «قسد».

وهكذا أُعلن عن التشكيل رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، بمشاركة فصائل مثل «جيش الثوار» وتشكيلات عشائرية من الرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب مجموعات سريانية وآشورية.

التركيبة القومية بين الواقع والخطاب

تؤكد قيادة «قسد» في بياناتها أن العرب يشكّلون نسبة كبيرة من مقاتليها، بل وتذهب أحياناً إلى أنهم الأغلبية العددية، وهو ما يتماشى مع الواقع الديمغرافي للمناطق التي تسيطر عليها، خاصة في الرقة ودير الزور.

غير أن شهادات منشقين، أبرزهم العقيد طلال سلو المتحدث السابق باسم «قسد»، قدّمت رواية مختلفة، إذ قال بعد انشقاقه عام 2017 إن القرار الفعلي داخل التشكيل بيد كوادر مرتبطة تنظيمياً وأيديولوجياً بـ(PKK)، وإن مشاركة العرب بقيت محصورة في المستويات التنفيذية والقتالية، دون تأثير حقيقي في دوائر صنع القرار.

وتبقى هذه الاتهامات موضع جدل، إذ تنفي قيادة «قسد» بشكل قاطع أي ارتباط تنظيمي بـ(PKK)، وتعتبر تلك الروايات جزءاً من «حرب سياسية وإعلامية» ضدها.

موقف تركيا

تركيا تعتبر «قسد» امتداداً مباشراً لـ PKK، المصنفة على قوائمها الإرهابية، وترى في وجود «قسد» على حدودها الجنوبية تهديداً أمنياً مباشراً.

من هذا المنطلق، طالبت أنقرة واشنطن والجهات الدولية بوقف الدعم العسكري لقسد، وطالبت بإغلاق معسكرات التدريب التابعة لها، ومنعت أي تنسيق عسكري تركي–قسد في مناطق الحدود.

كما شنت تركيا عدة عمليات عسكرية محدودة داخل شمال سوريا ضد مواقع «قسد»، مؤكدة أن استمرار الدعم الأميركي للقسد يُعد تهديداً للاستقرار الإقليمي ويُبقي على خط الصراع مفتوحاً بين دمشق وأنقرة.

من يقاتل ومن يقرر

وفق روايات متعددة، يمكن تقسيم بنية «قسد» إلى ثلاث طبقات رئيسية: قيادة أيديولوجية يُتهم جزء منها بالارتباط بـ(PKK) وتسيطر على مفاصل القرار، ومقاتلون أكراد محليون ضمن وحدات الحماية، ومقاتلون عرب جرى تجنيدهم ضمن مجالس عسكرية محلية غالباً بدوافع اقتصادية أو أمنية.

هذا التقسيم يعكس فجوة واضحة بين من يشارك في القتال ومن يمتلك سلطة القرار، وهي فجوة تُعد من أبرز مصادر التوتر داخل مناطق السيطرة، خاصة في دير الزور ذات الغالبية العربية.

الدور الأميركي أبعد من السلاح

لم يقتصر الدعم الأميركي لـ«قسد» على الغطاء الجوي والتسليح، بل شمل التدريب، وبناء هياكل القيادة والسيطرة، وإعادة تنظيم المجالس العسكرية والأمنية. وتعاملت واشنطن مع التشكيل كأداة وظيفية في الحرب على «داعش»، مع إدراكها لطبيعة القوة المهيمنة داخله.

وأشار العقيد طلال سلو إلى دور محوري لعبه المبعوث الأميركي السابق بريت ماكغورك، خصوصاً في إنشاء تشكيلات تحمل أسماء عربية خلال معارك منبج والرقة، بهدف تعزيز صورة محلية للعمليات، في حين بقي القرار الاستراتيجي بيد القيادة العليا.

تحالفات متشابكة ورسائل متناقضة

رغم الرعاية الأميركية، لم تمنع هذه العلاقة «قسد» من الانخراط في تنسيقات ميدانية مع روسيا والنظام السوري المخلوع في مراحل مختلفة، سواء في شمال حلب أو في محيط تل رفعت، أو خلال حصار أحياء حلب الشرقية.

كما لم ينقطع التواصل مع نظام الأسد السابق، سواء قبل الإعلان عن «قسد» أو بعده، وهو ما يعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقة بين نظام الأسد وحزب العمال الكردستاني، الذي حظي بدعم ورعاية سورية وإيرانية لعقود قبل عام 1998.

وتشير تقارير إلى أن واشنطن نفسها دفعت أحياناً «قسد» نحو تفاهمات مع دمشق لتجنّب صدام مباشر مع تركيا، ما يعكس براغماتية عالية في إدارة التحالفات.

قوة أرقام أم مشروع سياسي؟

بعد نحو عشر سنوات على تأسيسها، قد يكون رقم «60 ألف مقاتل» قريباً من الواقع من حيث العدد، لكنه لا يعكس بالضرورة ميزان القوة داخل التشكيل. فالإشكالية الأساسية لا تتعلق بمن يحمل السلاح، بل بمن يملك القرار السياسي والعسكري.

وبينما يقاتل آلاف العرب في الصفوف الأمامية، يبقى القرار محصوراً ضمن دائرة ضيقة ترى في «قسد» أكثر من مجرد أداة لمحاربة «داعش»، بل مشروعاً لإعادة تشكيل المشهد السياسي والجغرافي في شمال سوريا.

لفهم «قسد» اليوم، لا يكفي النظر إلى الأرقام والشعارات، بل لا بد من العودة إلى جذور التأسيس، وبنية القيادة، وطبيعة الارتباطات الإقليمية والدولية التي رسمت مسارها منذ البداية، وما زالت تتحكم بمستقبلها حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى