صندوق المرصد
منذ أن وُجّهت للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي تهم تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ، والسؤال يفرض نفسه: هل سيشهد العالم أول رئيس فرنسي يدخل السجن بسبب تهم كهذه؟ في المخيال الجمعي، رؤساء الدول غالباً ما يُنظر إليهم كرموز فوق القانون، حتى لو رفعوا شعار “الجمهورية دولة قانون”، لذلك فإن محاكمة أو سجن رئيس سابق تشكل لحظة فارقة، ليس لفرنسا وحدها بل للعالم.
قد يبدو الأمر صادماً، لكن ساركوزي ليس حالة فريدة. فالعالم شهد نماذج كثيرة لرؤساء دول انتهى بهم المطاف وراء القضبان، وإن اختلفت السياقات والدوافع.
الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا قضى أكثر من 500 يوم في السجن قبل أن تلغى إدانته ويعود إلى الرئاسة.
الرئيسة الكورية الجنوبية السابقة “بارك غيون-هي” حُكم عليها بالسجن لأكثر من عشرين عاماً قبل أن يُخفف الحكم ويُعفى عنها. حتى في الديمقراطيات العريقة، كما في إيطاليا، واجه سيلفيو برلسكوني قضايا فساد ومحاكمات مطولة كادت تطيح به سياسياً.
لكن حالة ساركوزي لها رمزية خاصة؛ فهو رئيس لبلد يعد نفسه حارساً لقيم الديمقراطية والحرية والمساواة أمام القانون. إن رؤية رئيس فرنسي سابق يُحاكم أو يُسجن ليست مجرد حدث قضائي، بل هي اختبار حقيقي لمعنى العدالة. هل العدالة الفرنسية محايدة بما يكفي لتقول: لا حصانة لأحد؟ أم أن الأمر سينتهي بتسوية سياسية كما يحدث في دول أخرى، فيُطوى الملف وتُحفظ الهيبة؟
هنا تبرز المقارنة المؤلمة مع العالم العربي، حيث غالباً ما تُطوى ملفات الفساد الكبرى دون محاكمات، أو تُستخدم كأداة لتصفية الخصوم السياسيين لا لمساءلة حقيقية.
ففي بلدان مثل تونس ومصر والعراق، لم تصل المحاكمات إلى جذور شبكات الفساد التي كانت مرتبطة بالسلطة، وغالباً ما انتهت التسويات إلى إعادة تدوير النظام نفسه مع بعض الوجوه الجديدة.
بل إن بعض الزعماء العرب الذين وُجهت إليهم اتهامات موثقة بالفساد أو نهب المال العام لم يعرفوا لا محكمة ولا زنزانة، بل خرجوا من السلطة بمراسم تشبه التكريم.
إن سجن ساركوزي – إن حدث – سيكون أكثر من عقوبة شخصية؛ سيكون لحظة مفصلية تقول للعالم إن دولة مثل فرنسا تستطيع أن تحاسب رأس السلطة، بينما دول كثيرة أخرى لم تجرؤ بعد على مساءلة أصغر موظف فاسد في دوائر الحكم. وهنا المفارقة: الديمقراطية الحقيقية لا تختبر في الانتخابات وحدها، بل في القدرة على مساءلة الحاكم بعد خروجه من السلطة.
ربما لن يكون سجن ساركوزي – إن حدث – نهاية لمسيرته بقدر ما سيكون درساً لأجيال من الساسة: أن السلطة مهما علت، فإنها لا تحصّن صاحبها من مواجهة القانون. وهذا بالضبط ما تحتاجه ديمقراطيات العالم اليوم: إعادة الاعتبار لسيادة القانون، لا لشخص الحاكم.
أما في عالمنا العربي، فإن مشاهدة رئيس فرنسي خلف القضبان قد تعيد إشعال سؤال طالما خنقته أنظمة الاستبداد: متى يصبح القانون سيداً على الجميع؟




