رأيصندوق المرصد
أخر الأخبار

هل يستطيع الجولاني أن يتحرر من إرثه الراديكالي؟

صندوق المرصد

في كل مرة يظهر فيها أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، يبدو وكأنه يكتب فصلاً جديداً في رحلة التحوّل من “الأمير الجهادي” إلى “رجل الدولة”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

ـ هل يمكن لهذا التحول أن يكتمل فعلاً؟ وهل يستطيع الرجل أن يتخلّص من إرث الفصائل الإسلامية الراديكالية التي كانت يوماً عماد قوته وشرعيته؟

منذ أن خرج الجولاني من عباءة تنظيم القاعدة، وحاول إضفاء طابع محلي على مشروعه عبر “هيئة تحرير الشام”، أخذت صورته تتبدل تدريجياً، من قائد ميداني في حرب مفتوحة، إلى رجل يرتدي البذلة المدنية، يستقبل الصحفيين الأجانب، ويتحدث عن “الإدارة المدنية” و”الاستقرار” و”الحوكمة الرشيدة”، لكن تحت هذه المظاهر الحداثية يظل سؤال الشرعية القديمة عالقاً:

ـ هل يستطيع من صنعته البندقية باسم الشريعة أن يخلع جلده دون أن يتمزق معه؟

التجارب التاريخية تقول إنّ التحولات الكبرى في مسار الجماعات الأيديولوجية لا تُصنع بقرار فردي. فالجولاني، مهما بدت رغبته في التحوّل جادة، يظل محكوماً بشبكة من الولاءات والمصالح والمقاتلين الذين يرون في أي انفتاح على الدولة “تنازلاً عن الدين”،هؤلاء هم المأزق الحقيقي، فالرجل، كي يبني دولة، يحتاج أن يزيح من طريقه البنية الفكرية والعقائدية التي قامت على “نفي الدولة الحديثة” أصلاً.
قد يُقال إنّ الجولاني يسير على خطى تجارب إسلامية تحولت سياسياً مثل “طالبان” أو “الإخوان المسلمين”، لكن الفارق هنا أنّ البيئة السورية، أشدّ هشاشة وتعقيداً، كما أن الجولاني لا يملك شرعية وطنية ولا غطاءً دولياً، بل يقف في منطقة رمادية بين من يعتبره إرهابياً ومن يراه “شراً ضرورياً” لإدارة الفوضى.

التحول إلى رجل دولة يتطلب أكثر من تبديل في الخطاب أو المظهر، إنه يتطلب تفكيكاً عميقاً لمنظومة التفكير الديني التي جعلت من الجهادية السياسية مرجعاً وحيداً للحكم، والسؤال هنا:
ـ هل يملك الجولاني الجرأة على مصادمة تراثه الفكري كما صادم حلفاءه العسكريين؟

قد يكون الجولاني براغماتياً بما يكفي ليحاول، لكن البراغماتية وحدها لا تبني دولة، فالدولة تُبنى على الشرعية، والمؤسسات، والمواطنة، وهذه مفردات لم تدخل بعد معجم “تحرير الشام”.

إنّ الرجل الذي صعد على أكتاف الراديكالية لا يستطيع القفز عنها دون أن يفقد توازنه.. ما يمكنه فعله، في أفضل الأحوال، هو أن يطيل زمن التحول، وأن يقدّم نفسه للعالم باعتباره “نسخة مخففة” من الجهادي القديم، لكن هل يقبل العالم بذلك؟ وهل يقبل السوريون أن تُبنى دولتهم على ركام فكرة نُسفت أساساً باسم الدين؟

إنّ الجولاني، وهو يبدّل جلده، قد يكون في الحقيقة يحاول أن يؤسس لمرحلة ما بعد “الانهيار الجهادي”، لكنه ما يزال يحمل رائحة الماضي التي يصعب التخلص منها مهما غيّر اسمه أو مظهره.
السوريون بانتظار هذا التحول.

قد تصدق رهاناتهم، غير أنها إذا ما خابت فسيكون الطريق إلى استكمال دمار البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى