كما نصر الله “لايمزح” كذلك بكركي “لاتمزح”.. انتهى زمن المزاح

أنهى البطريرك الماروني الراعي خطابه في بكركي أمس بحزمة من :

ـ لاتستكتوا:

لا تسكتوا عن تعدد الولاءات والفساد وعن سلب أموالكم والحدود السائبة وعن خرق أجوائنا وعن فشل الطبقة السياسية وعن الخيارات الخاطئة وانحياز وفوضى التحقيق في جريمة المرفأ وتسييس القضاء.

 لا تسكتوا عن السلاح غير الشرعي وغير اللبناني، لا تسكتوا عن سجن الأبرياء وإطلاق المذنبين، لا تسكتوا عن التوطين الفلسطيني ودمج النازحين ومصادرة القرار الوطني والانقلاب على الدولة والنظام وعن عدم تأليف الحكومة وعدم إجراء الاصلاحات.

 لا تسكتوا عن نسيان الشهداء، شهداؤنا ذخيرة وجودنا الروحي والوطني، وويلٌ لمن ينسى شهداءه ويقايض عليهم.

وكان الرجل قد تحاشى الهجوم على “حزب الله” او امينه العام بالاسم، غير أن اسم “حزب الله” تردد من ساحة بكركي مصحوبًا بهتافات :

ـ إيران تطلع برا.

خطاب “الراعي” من الصعب التنبؤ نحو أي منعطف سيقود لبنان، وقد بات لبنان لبنانين:

ـ الاول لبنان حزب الله، الذي جاء على لسان أمينه العام “لاتمزحوا معنا”.

ولبنان بكركي وقد رد على “لاتمزحوا معنا” بـ “نحن لانمزح”.

 وكليهما حذّر من المزاح في بلد يبكي.

 البطريرك دخل في الأشهر الأخيرة على خط التوتر السياسي، فعمل على طرح مبادرات تبدأ بحل الملف الحكومي، كبداية طريق لإنقاذ الوضع اللبناني برمّته، اقتصادياً ومالياً، وسياسياً، إنطلاقاً من شعور الكنيسة بهموم الناس ومواكبتها للظروف المعيشية للبنانيين، ومن خشيتها ان يؤدي الواقع الاجتماعي والاقتصادي المرير إلى انفجار اجتماعي.

 خابت محاولات البطريرك، أقفل السياسيون باب الحل في وجهه، فلجأ إلى الشارع.

 وبعد ان وصلت الأمور الى حائط مسدود دعا الراعي الى مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة لأنه وجد عملياً أنّ المسؤولين اللبنانيين إمّا لا يريدون وإمّا عاجزون عن إخراج لبنان من أزمته، وهو يعتبر أنّ هذا الواقع اذا استمر سيؤدي إلى انتقال لبنان من الانهيار الى الانفجار.

دعوة الراعي أثارت  ردود فعل لدى «حزب الله» حتى وصل الامر بواحد من محازبيه إلى اعتبار التدويل خيانة.

التدويل هو خيانة عندما يكون الملف بيد هيئة الامم المتحدة ولكنه امر طيب حين يكون محتكرًا لطهران ولا متدادات غازي كنعان في لبنان.. ذلك هو الحال.

وحزب الله، لابد ويخوض معركة مع ” البطريرك الراعي”، ولا أحد حتى اللحظة يعلم مكان السلاح فيها إذا ماتحول لبنان إلى شارع مقابل شارع، وكان حزب الله قد خاض معركة بمواجهة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير بين الـ2000 والـ2005، تجعله يتوجّس من بكركي لما لها من مكانة واحترام وقيادة وتأثير في الداخل والخارج، من ان تعيد إنتاج التراكمات ذاتها التي عمل عليها صفير بعد إطلاقه نداء أيلول الشهير والذي دعا فيه إلى إخراج الجيش السوري من لبنان، وكانت مساهمة كبيرة لبكركي بإخراج السوريين، فيؤدي المؤتمر الدولي الذي ينادي به الراعي النتيجة نفسها على الحزب، بطرح سلاحه ودوره على طاولة البحث.

حزب الله  يدرك انّ المنطقة مقبلة على مفاوضات مع ايران قد لا تكون بعيدة، سيتم فيها البحث في دورها على مستوى المنطقة، وسلاحها الباليستي والنووي. وبالتالي، يتخوّف الحزب من تزامن المؤتمر الدولي من اجل لبنان مع هذه المفاوضات، فيحاول إفشاله، تجنّباً لأي تقاطع دولي وداخلي يفرض تسويات على ايران تضرّ بمشروعه في لبنان، ويكون ثمنها رأس «حزب الله»، كأن يُطلب من ايران الكَف عن استخدام لبنان ساحة بواسطة الحزب وأن تباشر بإسقاط كل المحرمات، ومنها إجراء تعديلات على دوره في لبنان والمنطقة وتسليم سلاحه.

تلك حقيقة تقود حزب الله الى التخوف من طروحات البطريرك الماروني الذي لم يعد بوسعه أن يرى أن لبنان سيستقيم دون “مؤتمر دولي”، فالبنسبة للبطريرك فإن «اتفاق الطائف» نجح في إنهاء الحرب، لكنه لم ينجح في بناء الدولة. لذا، يجب ان يكون هناك مؤتمر للبنانيين يساهم في بناء دولة لبنانية، لم يتمكن اتفاق الطائف من بنائها، إن نتيجة الاحتلال السوري أو نتيجة سطوة السلاح غير الشرعي” وهكذا  «إنطلق الراعي في مشواره لإنقاذ لبنان ولن يتراجع”، هذا مايقوله مقربون من البطريرك وتتبناه جريدة الجمهورية القريبة من بكركي، بدأ الرعي بطرح موضوع الحياد واستكمله مع دعوته الى مؤتمر دولي. هذا التطور يأتي من جهة على وَقع مواقف سياسية كبيرة وعابرة للطوائف تؤيّد طرح بكركي، بالتزامن مع واقع اجتماعي معيشي صعب يخيف اللبنانيين، ما يدفعهم الى أن يكونوا الحاضنة لمشروع البطريرك. فيحظى من جهة بحاضنة سياسية واسعة عبّرت بأكثر من موقف وزيارة عن تأييدها طرحه، وأيضاً بحاضنة شعبية، تقابلها حاضنة خارجية وتحديداً فاتيكانية، وهو ما يخشى منه حزب الله، لِما للبطريركية من صلات وثيقة وعمق كبير مع الفاتيكان الذي يمكن ان يؤدي دوراً كبيراً وفعّالاً في الضغط لإنجاح دعوة الراعي وعقد مؤتمر دولي للبنان.

 الراعي  في خطوته، أجرى ربط نزاع مع المجتمع الدولي، لسببين: الأول، من اجل ألّا تكون هناك أي مقايضة حول لبنان وألّا يُصار إلى تسليمه لوصاية دولة اخرى نتيجة اي تسوية كما حصل عام 1990 عندما فُوّض الى سوريا إدارة الملف اللبناني. وثانياً، لأنّ الأمور وصلت إلى مكان لم يعد في الامكان أن تستمر، ما يتطلّب تسوية جديدة ترتكز على «اتفاق الطائف» والدستور والقرارات الدولية. من هنا، يمكن البطريركية أن تستفيد من التحركات الشعبية من جهة، والسياسية من جهة أخرى حتى يكون لصوتها صدى في الصروح الدولية.

 فبكركي، تضيف الشخصية المعارضة، أطلقت دينامية، ولو انها لن تتحقق سريعاً، لكن ستكون ككرة الثلج، على غرار الدينامية التي أطلقها البطريرك صفير، التي استلزمت 5 سنوات لتصل إلى نهايتها الايجابية بخروج السوريين من لبنان. لذلك، فإنّ خشية الحزب أن تشكّل الدينامية الجديدة التي أطلقها الراعي في ظل الوضع المأزوم لبنانياً، الى طرح مسألة سلاحه ودوره في أي مؤتمر دولي، خصوصاً انّ هذا السلاح هو الذي يشكل الأزمة الحقيقية لمنع قيام دولة في لبنان ويحول دون تطبيق الدستور والقوانين وأدى إلى نشوء طبقة سياسية فاسدة، تغطي سلاح الحزب ودوره مقابل أن يغطّي فسادها، وهو ما أوصل لبنان إلى مصاف الدولة الفاشلة».

كرة ثلج؟!!

نعم ذلك هو التعبير الأدق عن مستجدات بكركي.

من الصعب التنبؤ كيف سيكون رده عليها.

ـ كل الخوف أن يلجأ إلى النار لاطفاء كرة الثلج هذه.

Exit mobile version