
نبيل الملحم
بات الرجل “إيقونة”، في حياته كان كذلك ومن بعد موته استمر كملهِم للساخرين والمتأملين والمتألمين والعشاق إن شئت، حتمًا هو محمد الماغوط ولم ينافسه أحد على اسمه وحضوره.
صدف أن اشتغلنا معًا في مجلة واحدة، كان له زاوية أسبوعية فيها، وبسببها كان لنا لقاء أسبوعي، يسلّم زاويته للمدير الناشر، وأتسلل انا إلى قراءتها.
المدير يقرأها بعين “الناشر” وان أقرأها بلهفة المستمتع بما يتوقع أن يمتعه.
على ضجيج اسمه، وتطويبه لدي كل من قرأه، كان يخاف من أن تبدي لهفة او استنكارًا أو رأيًا بما يكتب.. كان يمرر زاويته كما لو انها منشور سري يقود إلى مقصلة.
المقصلة هي “رد فعل قارئ”، وليس أي قارئ، قارئ يبلغ من اللؤم ما يسمح له أن لايراعي المسافات مابين كاتب عملاق ومحرر في مجلة يمكن الاستغناء عن جهوده فيها.
كتابات الماغوط، ربما كانت “إرهاصات” ثورة، وهي ثورة لاتصك على أسنانها، ولا تتقيأ الشتيمة، فثورته هامسة، متأملة ومتألمة، وكل ماتحمله لقارئها كلمتين:
ـ هذا العالم قبيحًا إن قبلناه، رائع إن قلبناه على قفاه.
أيامها كان لي برنامج تلفزيوني هو “ظلال شخصية”، والبرنامج لم يحدث هزّة تذكر، غير أنه ترك احترامًا، أقله لدى الصبورين الذين يقرأون الغريب وراء المألوف، ويتتبعون آثار مبدعيهم من كتاب، شعراء، علماء، مايعني شخصيات لها ظلها.
بالموانة، وبالكثير من “الويسكي” و “سجائر الميريت” رجوته الظهور في برنامجي، ورجوته لسببين اثنين:
ـ اولهما، قد أصل إلى دماغ الرجل، ومن دماغه أتعرف على سيرته التي أنتجته، ومن ثم عليه كيف انتجها؟
وثانيها ان حضور الماغوط يعني اعترافًا بالبرنامج، وبالمحصلة اعترافًا بي، وهذا امر لابد ويطمح إليه صحفي، في بلد، الصحفي فيه، ليس نجّارًا ولا حدّادًا ولا جرّاحًا، بل هو رجل بلا مهنة عثر على مهنة لاتتطلب رجلاً.
وعدني بالموافقة، ومن ثم وعدني بالموافقة، ومن بعدها وعدني بالموافقة، ومع كل موافقة يبتعد حتى بتّ لا أطلب موافقته، بالقدر الذي أطلب منه أن يُقرئني زاويته قبل النشر، لأكون اول من يدخل متاهاتها.
كنت اظن “ودون إعمال أن بعض الظن إثم”، أن الماغوط إذا ماحكى، فلابد ان يُساق وحكيه إلى مقصلة، ولم أستثن نفسي من مرافقته إليها لأعود منها بلا رأس، وان أفتح عيني على جمهور يصفّق للمقصلة والجلاّد، وقد علّمنا التاريخ أن جمهور الثورة الفرنسية هتف لجز عنق روبسبير كما هتف لجزّ عنق دانتون، فالجمهور يستغرق بالأعناق المقطوعة ويستمتع، ولو لم يكن الامر كذلك، لما اخترعت المقصلة فالمقصلة تبحث عن اثنين، احدهما الجلاّد والثاني الجمهور الذي يستمتع بشفرة المقصلة وهي تهبط من شاهق ومن ثم لتدحرج رأس ضحيتها.
لا.. لم يكن الامر على هذا النحو، كل مافي الامر أن الماغوط “كاتب”، يعني مساحته الورقة البيضاء والقلم والمحبرة، اما ماتبقى فليست مساحته.
ذات يوم صارحته بسوء ظني.. كالعادة، وبكثافة الشاعر، اجابني:
ـ ليس عندي وعد أقدّمه للمشاهد.
ـ ولكنك وعدتني.
ـ انت صاحبي، الصاحب لايطلب وعدًا من صاحبه.. لتتقدم للجمهور عليك أن تحمل وعدًا بيدك.. هدية.
على تباين الحكايا، وتباين أبطالها، كنت قد تعرّفت على أستاذ جامعي يدرّس في كلية الاقتصاد.. رجل متهتك، كل مافيه هابط، لغته هابطة، ورذاذ فمه يعلو ويعلو حين ينطق.
حكى لي جملة ليست هابطة، وليس فيها أيّ من مبتذلاته.. جملة حتمًا غير قابلة لأن أنساها.
ما الذي قاله الرجل؟
قال لي، عيب على رجل يدخل بيته ويفتح الباب بيده.
سألته:
ـ لماذا؟
اجبني:
ـ لأنه يحمل لبيته الكثير وبكلتا يديه، لهذا عليه أن يفتح الباب بقدمه.
تعلّمت الكثير من الماغوط.، وكذلك تعلمت من ذاك الرجل الذي يفتح باب بيته بقدمه لابيده.