وقت القراءة: 7 دقائق/دقيقة (1401 كلمات/كلمة)

تحرير الشام.. بداية النهاية!

w1240-p16x9-tehrir

عادت هيئة تحرير الشام إلى الواجهة من جديد بعد غيابها لأسابيع على خلفية التطورات التي شهدتها منطقة شرق الفرات والشمال السوري بشكل عام، وكانت الأحداث السياسية والعسكرية قد تسارعت في الشمال السوري في الأسابيع الماضية بعد العملية العسكرية التي أطلقها الجيش التركي.

قادة الصف الاول في تحرير الشام الذين اعكتفوا الظهور والتزموا الصمت خلال الاشهر الاخيرة من حملات قوات الاسد وحليفها الروسي عادوا للحديث مجدداً حيث قال المتحدث باسم الجناح العسكري في تحرير الشام أبو خالد الشامي إن إدلب خارج أي تفاهمات دولية وإقليمية قد تضر بمبادئ الثورة وأهدافها التي خرجت من أجلها واستقلالية قرارها، وأضاف الشامي كما أن للدول مصالح فالثورة لديها مصالح ومبادئ أيضاً لن تحيد عنها هيئة تحرير الشام عنها وعلى رأسها إسقاط نظام الإجرام على حد قوله.

شنت قوات الاسد وروسيا في شهر نيسان الماضي هجوماً عسكرياً على مناطق عدة بريف حماة الشمالي وادلب الجنوبي بحجة المنطقة المنزوعة السلاح التي تم الاتفاق عليها في شهر ايلول من العام الماضي والذي ينص على سحب السلاح الثقيل والعناصر الراديكالية والمصنفة على لوائح الارهاب الدولي، خلال تلك الفترة ظهر ابو محمد الجولاني متزعم تحرير الشام وقال موجهاً عدة رسائل للاصدقاء قبل الاعداء بأن الهيئة لن تسلم بالسلم والتفاوض ما عجز النظام عن اخذه بالحرب الا وهي المنطقة المنزوعة السلاح بريف حماة الشمالي.

طالما بررت قوات الاسد وروسيا استهدافهم بغارات جوية على مناطق ريف إدلب باستهداف هذا الفصيل المصنف إرهابياً وصلته بتنظيم القاعدة وطلب روسيا من تركيا صاحبة النفوذ في إدلب وحيث تنشر نقاط مراقبة إيجاد حل لإنهاء وجود تحرير الشام وبالتالي تفادي هجوم واسع على محافظة إدلب، حيث عملت تركيا ميدانياً على توحيد صفوف الفصائل المعارضة في ادلب استعداداً لمواجهة محتملة مع هيئة تحرير الشام وفي هذا الإطار أعلنت مجموعة من الفصائل على رأسها حركة أحرار الشام وفصيل نور الدين زنكي في آب 2018 تحالفها ضمن الجبهة الوطنية للتحرير.

على وقع اقتتال داخلي مع فصائل أخرى تكرر في العامين 2017 و 2018 تمكنت الهيئة كونها الأكثر قوة وتنظيماً من اخراج الفصائل من مناطق واسعة في إدلب وبسطت سيطرتها على أكثر من 60٪ منها فيما باتت الفصائل الأخرى تنتشر في مناطق محدودة او تم ترحيلها الى مناطق سيطرة الجيش الحر في عفرين، وتسيطر هيئة تحرير الشام على أبرز المعابر التجارية في إدلب إن كانت تلك التي تربط بمناطق سيطرة قوات الاسد أو بتركيا شمالاً وأن نفوذ هيئة تحرير الشام يعود بشكل كبير إلى كونها تسيطر على الحركة التجارية من وإلى إدلب والتي تساهم في تمويلها وتمنحها سلطة أكبر من حجمها.

وطالما شكل تواجد هيئة تحرير الشام عائقاً أمام وقف إطلاق النار أو تخفيض التوتر إذ إنه كان يتم استثناؤها من كافة تلك الاتفاقيات كونها تعد مجموعة جهادية برغم محاولاتها فصل نفسها عن تنظيم القاعدة ولا يزال النظام السوري وحليفته موسكو يستخدمان تسمية جبهة النصرة في الحديث عنها، وتتهم فصائل الجيش الحر هيئة تحرير الشام بإفشال الهدن في إدلب وتقول إن اتفاق سوتشي الذي كان ممكن أن يجنب المنطقة حرباً فشل بسبب رفضها شروطه فهي قررت الحرب بإعلان رسمي وفوق ذلك فهي فعلياً لم تدخل المعارك بأكثر من 20 إلى 30 % من قواتها ولم يشاهد السلاح الثقيل الذي سرقته سابقاً من الفصائل الثورية ولم يتم فتح مستودعات ومخازن السلاح التي نهبتها من الفصائل سابقاً مع تغييب كبير ومتعمد للانغماسيين والتي لطالما تغنت بهم.

تصاعدت حدة التوترات والاستقطابات والصراعات بين الفصائل في إدلب خصوصاً وقد بات التنافر والتنافس على أشده عقب اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا وأدت التطورات المتلاحقة إلى ظهور نهجين جهاديين أحدهما محلي تقوده هيئة تحرير الشام وثانيهما عالمي تمثله جماعة حراس الدين، توحد الفصائل الجهادية في سوريا وشن حرب عصابات كاستراتيجية قاعدية ادى إلى ظهور تنظيم حراس الدين بشكل رسمي في شباط 2018 وقد تأخر الإعلان عن التنظيم بسبب محاولة رأب الصدع بين القاعدة والنصرة لكن العامل التركي كان حاسماً في حتمية القطيعة فقد دخلت نصرة الجولاني في تحالف هش مع تركيا وباتت رهينة لتقلبات السياسة التركية ومنذ أن دخل الجيش التركي إلى شمال سوريا برفقة مقاتلي الهيئة إلى محافظة إدلب من أجل إقامة منطقة خفض تصعيد في إطار الاتفاق بين تركيا وروسيا وإيران بناء على مقررات أستانة باتت القاعدة تناهض نهج الجولاني بصورة لافتة حيث بدأ الجولاني بشن حملة تطهير في صفوف الهيئة من أنصار القاعدة بتفاهمات مع تركيا تحت ذريعة تجنيب إدلب مصير حلب بعزل العناصر الجهادية الموصوفة بالإرهابية وتفاقمت الخلافات عقب تفاهمات سوتشي.

رغم حداثة نشأة المكون الجديد للقاعدة في سوريا حراس الدين إلا أنه شكل قلقاً بالغاً لهيئة تحرير الشام فقد حقق تقدماً لافتاً وجاذباً خلال فترة وجيزة ونجح باستقطاب معظم المقاتلين الأجانب المهاجرين ونشط في جلب المقاتلين المحليين الأنصار نظراً لتمتعه بدعم قيادة تنظيم القاعدة وفروعه الإقليمية والتحول إلى حالة من اللامركزية والالتزام بالتخلي عن السيطرة المكانية والمحافظة على نهج حرب عصابات وقد نجح تنظيم حراس الدين في نيسان 2018 بالتوحد مع جماعة أنصار التوحيد المنبثقة عن بقايا جند الأقصى.

وفي نهج مناقض لهيئة تحرير الشام بالسيطرة والتحكم بالشمال السوري تبنت القاعدة نهجاً يقوم على إدامة حرب عصابات مع قوات الاسد ونجح تنظيم حراس الدين باستقطاب فصائل جهادية في إدلب ضمن إطار غرفة عمليات مشتركة باسم وحرض المؤمنين وقد أعلن عن تأسيسها رسمياً في تشرين الثاني 2018 وتضم الغرفة إلى جانب تنظيم حراس الدين كلاً من جبهة أنصار الدين وأنصار التوحيد وجماعة أنصار الإسلام وذلك عقب رفضها لاتفاق سوتشي الروسي _ التركي حول بناء منطقة عازلة بين قوات المعارضة وقوات الاسد في مناطق التماس بمحافظتي ادلب وحماة.

وجاء في بيان التأسيس أن الهدف من تشكيل هذه الغرفة العسكرية هو هجومي وليس دفاعياً فقط أي أنها ستقوم بأعمال عسكرية على مناطق سيطرة الاسد وحلفائه بهدف تحريرها وإخراج القوات الروسية من الأراضي السورية وتحكيم شريعة الله على حد تعبيرها، شهد بداية العام الحالي محاولات من تحرير الشام للحيلولة دون تنامي الفصائل القاعدية لكن ذلك ادى إلى المزيد من الشكوك لدى القاعدة حول نوايا الهيئة وكان القائد العسكري العام لتحرير الشام مختار التركي قد التقى نهاية كانون الثاني القيادي في غرفة عمليات وحرض المؤمنين أبو الدرداء الكردي العسكري العام لتنظيم أنصار الإسلام وسبقت ذلك لقاءات جمعت قيادات من حراس الدين وقادة عسكريين من تحرير الشام في ريف ادلب وقد ضمت الاجتماعات قائد مجموعة خراسان في تحرير الشام أبو محمد الشمالي وأبو قتادة الألباني وأبو عبيدة الشامي وأبو عبيدة المصري. وقدمت تحرير الشام في تلك اللقاءات عرضاً بضم التنظيمات لغرفة العمليات المفترضة بقيادة فيلق الشام ودعم حكومة الإنقاذ وتمكينها وتطبيق الاتفاقات بداية بفتح الطرق الدولية.

عقب لقاءات عديدة أصدرت قيادة حراس الدين عبر قائدها العام أبو الهمام الشامي ونائبه الأردني سامي العريدي الشرعي السابق في جبهة النصرة بياناً في كانون الثاني الماضي أعلنت فيه رفضها بشكل قاطع للعرض المقدم من الهيئة وأعربت عن صدمتها من تفاصيل العرض الذي يضمن لتركيا السيطرة الكاملة على قرار المعارضة ويساهم في تثبيت النظام من خلال فتح الطرق الدولية.

حالة التوتر بلغت ذروتها بين حراس الدين وتحرير الشام مع صدور كلمة جديدة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري هاجم فيها الجولاني وقال إن تحرير الشام تمهد لنفسها للدخول في لعبة الديمقراطية العفنة قبل أن يتم القضاء عليها واعتبر الهيئة مجموعة عاقة واتهمها بالتنافس على السلطة والنفوذ والمعابر والسيطرة على القرى والبلدات بدل قتال النظام وفرض المكوس والضرائب على الناس والتهجم والتحريض على المجاهدين والجلوس مع القتلة والإذعان للاتفاقات المذلة وحماية الجيش التركي العلماني وبظل التجاذبات والانقاسمات سرعان ما أعلن عن انشقاق الشرعي العسكري ابو اليقظان المصري.

في إطار الحرب الأيديولوجية عملت تحرير الشام على استمالة بعض الجماعات والمكونة من المقاتلين الأجانب المهاجرين ونجحت ظاهرياً باستصدار بيان تأييد للهيئة حيث وقع على البيان : الحزب الإسلامي التركستاني وكتيبة التوحيد والجهاد الأوزبك وجيش المهاجرين والأنصار القوقاز وكتيبة الألبان وحركة المهاجرين السنة من إيران ورابطة المعالي بلاد الحرمين ومجاهدو المالديف وشام الإسلام المغرب وعن الهيئة عضو مجلس الشورى وعضو مجلس الفتوى الشيخ أبو الفتح الفرغلي والمسؤول العسكري العام للهيئة مختار التركي ومسؤول الدفاع في الهيئة أبو الحسين الأردني ومسؤول المهاجرين في الهيئة أبو هاجر التونسي وقاضي الجناح العسكري أبو عبد الرحمن الزبير الغزي لكن البيان لا يعبر عن رضى هذه الجماعات عن نهج الهيئة وهي أقرب في نهجها للقاعدة وحراس الدين فهي تحاول أن تلعب دور الوسيط دون التورط في معركة.

تضم هيئة تحرير الشام في صفوفها حالياً نحو 15 الف مقاتل وأن حوالي 20 ٪ من عديد مقاتليها من الأجانب وهؤلاء ينحدرون بشكل أساسي من الأردن والسعودية وتونس ومصر وبعض دول في جنوب ووسط آسيا، وبرغم انتشارها سابقاً في مناطق عدة في البلاد إلا أنه على وقع تقدم قوات الاسد بدعم روسي منذ العام 2016 انحصر مؤخراً تواجد هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب.

وعلى وقع هجوم وشيك لقوات الاسد تدور حاليا مفاوضات بين تركيا وتحرير الشام يهدف إلى تفكيك الأخيرة لتفادي هجوم واسع على ادلب، كافة الأضواء مسلطة حاليا على هذا التنظيم الذي سيكون الهدف الرئيسي للهجوم المتوقع على إدلب من قبل قوات الاسد وطالما شكلت هيئة تحرير الشام ملفاً شائكاً في الثورة السورية وهي اليوم على وشك أن تفقد معقلها الأخير في البلاد.

 

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.

أردوغان ينقل الخراب السوري إلى ليبيا
هل هناك حوار أديان؟

مواضيع مشابهة