عاجل

وقت القراءة: 4 دقائق/دقيقة (836 كلمات/كلمة)

جائحة تضرب الاقتصاد والحق في الحياة

xxcc_0
مرّ ما يزيد عن الشهر، منذ أن بدأ فايروس كورونا المستجد في التفشي. كانت تسميته بهذا الاسم تكفي وحدها لأن يسابق العالم الريح، لكي يبدأ تدابير الوقاية منه ولكي ينقطع الباحثون إلى محاولة إيجاد لقاح له. فهو عند باحثي علم الأوبئة وفايروساتها "كوفيد- 19" (COVID-19) ولم تنشأ تسميته بـ"كورونا" من قلب الثقافة الصينية، علما بأن الفايروس، سجل أول ظهوره الصارخ، في مدينة ووهان الصينية، وتداول العالم بعد الظهور اسمه ككورونا. وكانت التسمية ناشئة عن الثقافة الإنجليزية، بحكم امتلاك الفايروس هالة شكلية شبيهة بالتاج، تغلفه أو يتدثر بها، ويحتشد في داخله، بأكبر قدر من المجاميع الوراثية، ومن فايروسات الحمض النووي المعروفة من قبل، وتُعدّ المسبّب الثاني للزكام بعد الفايروسات الأنفية!

على الرغم من ذلك، بدا أن العلماء العارفين بأطواره الأولى أو أشكاله السابقة، قد فوجئوا بخواتيمه أو طوره الجديد. وهذا يتطلب إقلاعا بحثيا جديدا قد يُبنى على تجارب ومجاهدات سابقة، وصولا إلى إلحاق الهزيمة بالفايروس. استغلق كورونا عليهم، ما جعل العلماء، كالناس، لا يعرفون متى تنتهي المخاوف منه، ومتى وأين تنتهي هجمته الراهنة في طورها الراهن!

بدا الفايروس كجائحة، في ما يُشار إليه باللغة العربية. والجائحة هي المعادل الموضوعي للمصيبة، والمصائب في العادة أفدح وأعمق. بالتالي كان ما فعله كورونا، يختلف عما سبقوه من الفايروسات التي حاصرها العلماء وهزموها. وظل المذعورون من كورونا، يأملون في أن يُصار إلى محاصرته والإجهاز عليه، مثلما حدث مع فايروسات "ساس سارس" والإنفلونزات المنسوبة إلى البقر والطيور والخنازير، التي جرى الإجهاز عليها بسرعة، بمآثر الباحثين الذين خدموا البشر والاقتصادات والمجتمعات!

يتفق علماء الاقتصاد وباحثو الأوبئة، أن حصة الصين من الأذى، ستكون مديدة على مستويين: الأول، أن المرض سيظل كامنا لفترة طويلة، كالخلايا النائمة، والثاني أن الاقتصاد الصيني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس سيشهد ركودا، ويعاني من انتكاسة كبرى جرّاء هذا الفايروس. وبالطبع، يمتدّ الأذى الآن إلى سائر أنحاء العالم. وسيكون الطارئ السلبي على الاقتصاد العالمي، بجريرته، أن إحساسا بالذعر، سوف يغشى الأسواق المالية وربما تتفاقم حرب أسعار البترول أكثر فأكثر. فلا تنفع المباحثات بين الدول المنخرطة في حرب الأسعار، ولن يكون هناك معنى للتصريحات الصينية المتفائلة والأرقام المعلنة. فقد أوشكت المبيعات الصينية في الأسواق العالمية على الانهيار، وتراجعت الصادرات، وتوقف تدفق السياح إلى بكين، وأصبح الألم الاقتصادي موجعا على نطاق عالمي واسع. أما منتجو السلع، فقد تباطأت حركتهم إلى الحد الأدنى، وأغلقت بعض مرافقهم. ومن جانبها، قدرت مجموعة الدول العشرين، أن هذه الجرثومة الصغيرة المتفشية، كلفت اقتصاد العالم حتى الآن تريليون دولار، على مستوى عمليات الإنتاج. ولن يكون مفاجئا بالنسبة للاقتصادات بطيئة النمو حاليا -ولاسيما اليابان والعديد من البلدان الأوروبية- أن تُمنى كالصين، بالتدهور الاقتصادي الحقيقي، الذي يُقدر تراجعه حتى الآن إلى ما فوق الرُبع!

كأنما استشعرت مخيلات الناس، خطورة ما يحدث الآن، واستقرأت الشعوب هذه الكارثة الاقتصادية والمالية والاجتماعية. فاندفعت الأُسر إلى تجريد رفوف محال السلع الأساسية، من معروضاتها، وتخزين الضروريات. أما بعض وسائل الإعلام، فقد جعلت الأمر يبدو كما لو أن العالم، على وشك مواجهة مريرة مع ملك الموت الأسود، الذي أباد البشر في أوروبا بالجملة خلال العصور الوسطى. لكن المتفائلين، يتناسون حجم الوفيات بفعل "الموت الأسود" القديم، وكانت وسيلته وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة الأوروبية وحدها. فالمتفائل اليوم يعود إلى إنفلونزا عام 1918 التي قَتَلتْ بضع مئات من الألوف، وعلى الرغم من ذلك، كانت تلك الكارثة، أقل من عدد الذين قضوا بالنيران، في الحرب العالمية الأولى. ويستذكر هؤلاء المتفائلون، أن الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب، تأخر قليلا لكنه جاء في أواخر عشرينات القرن نفسه.

العلماء يقولون، إن وضع توقعات المتشائمين جانبا، لن يقلل من خطورة ما يفعله كورونا اليوم. صحيح أن ما حدث في مواجهة الأوبئة السابقة، ومن بينها فايروس نقص المناعة ومرض "الإيدز" لم يؤدّ إلى كارثة مديدة وإلى موت يتنقل بسرعة، لكن الصحيح أيضا، أن كورونا قفز قفزات واسعة في عالم الفايروسات، ولا يزال الباحثون يكابدون في معركتهم معه. والمفارقة أن التصريح تلو التصريح، عن اكتشاف لقاح للمرض، يعكس حقيقة عكسية، لأن الأمور، بعد الإعلان، تظل على حالها، وكأن التصريحات كلها جاءت في إطار منافسة بين الدول على مستوى العلاقات العامة وخوض اختبارات استظهار القوة والكفاءة، بين الدول المتقدمة في الأبحاث العلمية وفحوص الأوبئة!

الاقتصادات والأسواق العالمية، غير ملومة على تفاؤلها، ولاسيما عندما تتوقع الوصول إلى محطة استراحة قبل نهاية الربيع. فلا يختلف اثنان، على المخاوف من الاندفاع الكاسح للموت، في طريقه إلى التوقف أو تهدئة السرعة، وخاصة لدى الدول الأكثر وقاية وأكثر تطورا في الطبابة، وذات البُنية الصحية الجيدة رأسيا وأفقيا. فما زال العمل يجري على قدم وساق، لاحتواء سريان المرض. وبالتوازي مع هذا تنتظر الاقتصاداتُ موعدَ الانطلاق للتعافي. والحجر الصحي الذي تعلن عنه الدول، وحظر التجوال المجدد زمنيا، يطرح مُددا متفائلة من أسبوعين إلى شهر. ومن بين التوقعات المريحة، لأرباب الاقتصاد الأميركيين، أن التعافي الكامل ربما يبدأ مع بداية النصف الثاني من السنة. فهم يرون أن التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، من شأنها تسريع الزخم في اتجاه التعافي. وكأن الأميركيين، يأملون على أساس مختلف، على اعتبار أن وباء "الإيدز" المُعدي، حُوصر ولم ينته، وترسخت ثقافة تحاشيه، لكنه لا يزال باقيا. ونقطة الضعف في هذا التقدير، أن الأوبئة السابقة، التي حوصرت وظلت باقية، عُرفت في جوهرها، وعرف دواؤها، أما ذو الهالة التي تشبه التاج، وسُمي كورونا، فلا يزال غامضا ولم يُعرف دواؤه، وهو حتى الآن، جائحة كقاطعة الطريق، أمام الاقتصاد وصحة البشر ومصائر حياتهم! 

المصدر

الوباء جرّد تركيا من أداة الضغط على أوروبا
كورونا.. موت العولمة أم إحياؤها من جديد؟

مواضيع مشابهة