ثقافة المراجعات وأهميتها في النهضة
ثقافة المراجعة في العمل السياسي، وثقافة النقد الذاتي، وفحص التجربة الشخصية والجماعية، ووزنُها بموازين العقل والمعرفة المتجردة والعلم، ووضع مجمل تلك التجارب والخبرات العامة والشخصية للأفراد والجماعات، على الطاولة؛ بكامل التجرد عن المؤثرات المسبقة القائمة على العاطفة والمصلحة، تكاد تنعدم هذه الثقافة في بلادنا، بل لعلها أقرب إلى المحرمات بنمطية شبه قاطعة. نحن غالباً ما ننسب كل قصور وفشل إلى (قوة العدو) أو(قلة الحيلة والدعم) وإلى (تكاثر المؤامرات) و(شراسة الواقع) و(غدر الأصدقاء والشركاء أو قصورهم) و(خيانة الوسط المحيط أو ضعفه وتهافته) وقد يكون هذا كله جزءاً من الحقيقة ولا نكران له، بيد أننا لا يجب أن نغفل عن أن هذا التأويل كله، ينحو نحو ربط القصور بأسبابه الخارجية، والتواطؤ على عدم كشف مسوغات القصور الداخلية والبنيوية الذاتية. لكن تلك الأسباب الخارجية، ليست رأس الأسباب، ولا مركز الدائرة في التفسير الذي يستطيع أن يرد الأمور والنتائج إلى أسبابها الحقيقية. وجوهر المشكلة من حيث الوصف الظاهري لها، عادة ما تُعلق نتائجُه النهائية على إرادة “الحظ والقدر”، أو على مشجب “أعداء خارجيين”، هم أقوى وأكثر قدرة وفاعلية، بحيث لا يوجد تناسب بين سيرورة حركة التاريخ الصارمة، وصدمة الخارج المتربص. ويُعلل غالباً، كل انهيار وفشل جماعي كبير، وكل صفرية في الارتدادات وعدمية في النتائج بـ”الخونة والمتآمرين”، وطبيعة الطوائف والقوميات والأحزاب والبنى العشائرية والأقوامية. ويصبح للعبارات المتفاصلة أو المتفاهمة بين الأحزاب والجماعات المنظمة واتجاهات التفكير، كالإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية والعلمانية والتشدد والتطرف وعدم الانفتاح والتفهم.. يصبح لهذه الذُرارة اللغوية معنى خاصاً، وتكتسب أهمية خاصة، ورغبة لا تقاوم في نسبة الخراب العام إلى محض كلمات ومصطلحات، والأهم في الموضوع، أنها تعفي -إعفاءً تاماً- من مسؤولية كل ما حدث ويحدث؛ وهكذا لا يعود لأي اعتراف بالهزيمة أو مراجعة للفشل أي معنى، وتغدو الحاجة إلى المراجعة، والتِماسُ مصير الحقيقة المجردة، نافلةً لا معنى لها. أو الأصدق تصبح واجب “الآخر” الذي كان متسبباً في حدوثها، وفي الوصول إليها وحصد نتائجها. ثقافة عدم المراجعة وبذل أي محاولة لاستعادة فحص التجربة المنصرمة المخفقة، ليس له إلا دلالة واحدة؛ وهو أن كل فعل له ثمن وله نتيجة محتمة إلا العقل الذي أنتج التجربة وصاغ تاريخها فهو طارئ ومجاني واعتباطي لا وزن له مضافاً إلى ذلك كله، عد الفشل والخطأ محض حادث، (مثل حادث السير مثلاً) حدث بالمصادفة خارج العقل الكلي للمنطق، ومن ثم هو مما لا يحكمه قانون العقل هكذا يصبح رد النتائج إلى أسبابها الموضوعية أمراً متعذراً، ويغدو منطق ربط القصور استتباعاً بالذاتوية البعيدة عن الموضوعية، نوعاً من استيهام الحلول السحرية المفسِّرة والمتأولة. وبالوسع اليوم، أن نتوزع مواضع نظرتنا إلى الحقائق، بحسب تموضع كل فرد أو جهة من الجهات، في تشارك عدم الاعتراف والرفض التام لها، وعدم تحمل مسؤولية المراجعة الشاملة، وذلك بحسب كل مرتبة من هذه المراتب التي يمكن أن نجملها برتبة الشعور الصامت بالانكسار والنكوص، أو رتبة التحلل الفردي من مسؤولية الانكسار والنكوص، أو رتبة التسويغ اللفظي والكلامي لذلك أو رتبة التبجح والزهو الكاذب، بغير ما هو عليه حال الوقائع، ثم تغيير الحقائق إلى أضدادها والزعم بأنها “ليست كذلك”. ولكن لماذا نرفض ثقافة الاعتذار والمراجعة مرحلة بعد مرحلة؟ ونصرُّ على البقاء خارج منظومة العصر الحديث، والبقاء على هامش الحضارة المعاصرة؟ لو تقصينا موجبات مثل هذه الأسئلة، والأسباب المؤدية الى مثل هذا الرفض، والإنكار التام لأي اعتذار عن هذا القصور الذاتي والموضوعي المؤدي إلى التوصل إلى مبدأ المراجعة العامة للسقوط الحضاري والهزيمة المجتمعية؛ لربما أمكن أن نسجل بعض الملاحظات المفيدة في أسباب هذا الرفض المتمكن، وإجمالها بالمعللات الآتية:
- إننا لم نستقل ونتحرر أفراداً، لنا كينونة منفصلة وقائمة بذاتها، وإنما ما زال وعينا متماهياً ومندمجاً بالخلفية الجمعية التي لا نشعر بالأمان إلا بعد التأكد من الارتباط بها، والاطمئنان بأننا ننطق باسمها، أو ننجز انتصاراً تحت سقفها، هذا ما يجعل الحماية الجمعية إطاراً كتيماً يوفر حماية أبدية، ويجعل للجماعة مظلتها الأكثر من ضرورية، لحمايتنا نحن الأفراد.
- ثقافة الاعتذار تحتاج إلى فائض من الانتماء إلى الذات؛ أي إلى ما هو فردي، متمايز عن الانتماء الجماعي. وهذا الشعور يؤول بكل تأكيد شعور المرء بأنه كائن حر وشخصي. فهو ليس “واحداً من مجموع”. هذا الشعور العالي القدر والإحساس بالانتماء إلى الفردانية، وتمايز الشعور الشخصي بالحرية، بعيداً عن الجماعة التي تُعَرِّف هويته، هو شعور مضمحل في الأغلب، وفي غاية الهشاشة. فالشخصي عادةً هو ما ينمي “ملكة تصحيح الخطأ”، ويرّوِّضُ القوة على تعرفه؛ عارياً ومنعزلاً عن شروطه الجمعية المتماهية بعوامل مختلطة وكثيرة، ذات فائض المعقولية للتمويه والتعمية. وذلك بعكس الشعور بالانتماء إلى المجموع.
- بذلك يصبح “الإصرار” متمكناً وقوياً، بالتوازي مع الخشية أو الخوف من أن عدم الإصرار أو نقده، قد يوقع في محذور الخروج على الانتماء الجماعي. وأهم البدائل التي تُلبس على الآخر، وتتيح للضمير استمراراً واستقراراً أخلاقياً ملائماً، هو الاستعاضة التعبيرية الإنشائية عن الـ “أنا” بالـ “نحن”.. وهكذا فإن تعبير “أخطأتُ” يتحول إلى “أخطأنا” و”تسببتُ” يتحول إلى “سبَّبنا لأنفسنا”.
- ومن أهم أسباب رفض المراجعة والاعتراف بالقصور أيضاً، ما يمكن أن يوصف بأنه العناد النفسي أو الطبيعي والعناد قصور عُصابي مرضي، تتحكم فيه آليات التحفز الدائم والإصرار، بوصفها جزءاً مهماً من آليات الدفاع عن النفس (المعصوبة) وهو حالة من التحفيز التي تظل على استجابة مستدامة للتطرف في الموقف، بتطرف مقابل حيث الحقد والشماتة والتشفي هي أشربة ثمينة، لا يجوز تعاطيها من أيٍ كان، وحيث الغيرة والمواقف التمييزية تغدو طقوساً مقدسة.
- غياب الدولة الحديثة وتعريفها القانوني، والشعور بحضورها الدائم في المخيال العام (بوصفها ضامناً مستقبلياً للحق وللعدالة)، إذ يمكن أن تعد هذه الحالة؛ حالة الشعور الأبدي بالغياب الدائم للدولة، كاليتيم الذي اعتاد اليُتْم، ما يربي دافعية التحفز الدائم للبحث عن الفرص الملائمة للحماية الذاتية من العقاب، والطرائق الفطرية للتلاؤم مع تلك الفرص. والمراجعة العامة لأي قصور أو فشل، ومحاولة الاعتراف به، قد تقوض الفرص المستقبلية بإيحاءات الانتقام وانعدام العدالة، ومزاجية ردات الأفعال المتوقعة التي تمنح معياراً جديداً للفشل والقصور المقرِّ به. فعشوائية العقاب وقسوته، وثقافة عدم التسامح، أحد أهم الأسباب الحاسمة في رفض الاعتذار، والتصلب في الإصرار على الخطأ.
- وجود ثقافة جمعية موروثة، تمجد الشخصية الكاملة المطلقة وتعتز بها، وتعتادها نموذجاً يُقتدى به، ما لا يوفر للشخصية المراجِعة والمتراجِعة، هذا الفضاء المتاح للمقايسة والتماهي مع الشخصيات المطلقة في كمالها المتصوَر الذي لا يُحتمل أن يخطئ أو يتراجع.
نخلص من ذلك كله إلى أن ثقافة المراجعة؛ سياسياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً، مبدأ له القوامة على التفكير والمزاج العام السائد، القسط الأكبر من السطوة والظفر بحالة من الجمود والعدمية. حين تكون أولى بدهيات التنمية والتقدم المجتمعي، هي الإقرار بالعلة ووصف القصور والركود العام السائد. تلك هي حرية العقل القابل للمعرفة والحقيقة بتجرد مطلق، وتلك هي الخطوة الأولى في رحلة التقدم والانعتاق الحضاري ومن دون مراجعة الحقائق ودراستها ووضعها في حيز العلم والمعرفة المجردة، قد تبقى بعض الشعوب عقوداً على حالها، عاجزة أن تلج سلم الحضارة. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.