fbpx

الإعلام الكردي في مناطق الإدارة الذاتية

وحدة استطلاع الرأي في مرصد “مينا” مع بدء الثورة السورية وتراخي قبضة النظام في المناطق الكردية وجد الإعلام الكردي فسحة كبيرة للظهور وأداء رسالته في تسليط الضوء على ما يحدث في المناطق الكردية مروراً بالعربية ذات الصلة به، بدأ الإعلام الكردي بمداخلات ناشطين ومن ثم التأسيس لمؤسسات إعلامية تسعى إلى طرح مادة إعلامية متوازنة تحمل الحد الأدنى من المهنية، إلا أن ما يؤخذ على كثير من المؤسسات الإعلامية الكردية أو أغلبها هو تبعيتها لجهات حزبية أنها وباتت بوقاً للسلطة والحزب الأكبر الحاكم والمسيطر على الإدارة الذاتية، إذ ينشر أيديولوجيتها ورؤيتها السياسية وينحاز لطروحاتها القيمية والفكرية تجاه الأحداث السياسية والاجتماعية والخدمية، ما يجعله يفقد الصفة الأهم التي يجب أن يتحلى بها وهي الحيادية والشفافية في نقل الخبر والحدث، ونلاحظ حجم البروبوغندا الإعلامية المزيفة التي تنتهجها المؤسسات الإعلامية الحزبية ومدى انحرافها عن الحقيقة لمصلحة حزب سياسي أو أيديولوجية معينة في تبعية مفرطة تغرق الإعلام بالجدال العقيم البعيد عن المعرفة، ولكن على الرغم من المفارقات الكبيرة وحداثة التجربة وعدم القدرة لدى كثير من المؤسسات على الانسلاخ عن فكر الحزب وسياسته إلا أن كيانات إعلامية نشأت تسعى إلى تشكيل هياكل مؤسساتية مهنية للارتقاء بتلك المؤسسات إلى مصاف الإعلام المحترف والحيادي، إلا أنها تتميز بفوضوية عقيمة لتمارس الحرية بمفهومات خاطئة في الكم لا في النوع.

  • هل كان للكرد صحافة كردية خاصة بهم

الكرد كغيرهم من الشعوب، مارسوا منذ القدم التواصل بالطرائق التقليدية البدائية، كطريقة إشعال النار والتواصل عبر الدخان في ما بينهم عند الهجوم أو أي أمرٍ آخر تتعرض لها كياناتهم أو قبائلهم، مروراً بالفرمانات التي كانت تصدر وتنقل في ما بينهم، إلى أن وصلنا إلى الصحف، الفضائيات والوكالات وعوامل عدة جعلت الكرد يفكرون في النضال من أجل وطنهم (كردستان) ولكن الأوضاع لم تكن كما يريدون، بل كانت أقوى منهم في أرجاء الوطن كله، لذا اضطر المثقفون الكرد ومنذ بدايات الصحافة إلى العمل خارج حدود كردستان، والتاريخ الرسمي لبداية الصحافة الكردية هو 22/4/ 1898م، وهو التاريخ المجمع عليه، وعادةً ما يُحتفل به، لأنه يتزامن مع صدور أول جريدة كردية، ألا وهي (جريدة كردستان)، المؤسس الحقيقي للصحافة الكردية كما يجمع عليه معظم الأوساط الإعلامية هو مقداد مدحت بدرخان باشا، وأما مكان صدورها، فهناك عدم اتفاق عليه، فهناك من يقول إن الأعداد الأولى صدرت في إسطنبول، لأن الأخوان أمين عالي ومدحت، كانا موجودين في إسطنبول، وبعض آخر يقول إنها صدرت في القاهرة، أعداد الصحيفة الكردية الأولى نصف الشهرية طبعت في أربع صفحاتٍ بحجم 25.5)سم – 32.5سم)، كثير من الباحثين يقولون إن الأعداد الأولى أي من العدد الأول إلى الخامس طبعت في القاهرة، ومن العدد 6- 19 في جنيف ومن العدد 20- 23 صدرت ثانيةً في القاهرة، أما العدد 24 فصدر في لندن، ومن الأعداد 25 – 29 فصدرت في مدينة فولكستون جنوب إنكلترا، ومن العدد 30- 31 في جنيف.

  • تاريخ تطور الصحافة الكردية

الحس الوطني الكردي الذي خلق عند الكرد يتجلى في أحمدي خاني الذي دعا إلى توحيد الكرد والقومية الكردية وذلك في قصة (مم وزين) قبل الثورة الفرنسية بـ 100 عام، وبعد ذلك قدم حاج قادر كوي أستاذاً لأولاد المير بدرخان في إسطنبول، ما زاد من الشعور والحس القومي الكردي أن مير مدحت بدرخان الذي لم يستطع أن ينشر جريدة كردستان في إسطنبول، ولجأ إلى القاهرة في 22/4/1898م ليطبعها هناك باللغة الكردية، وفي كل مرة كان يرسل 2000 نسخة منها إلى المثقفين الكرد آنذاك الذين يمكن تعريفهم بـ(الشيخ، الملا، الفقي) هؤلاء كانوا يعتبرون النخبة المثقفة عند الكرد، وهكذا لتبدأ الصحافة الكردية بعد عام 1908م عندما أجبر السلطان عبد الحميد الثاني على تعديل بعض القوانين الدستورية وإضافة بنود تحوي على الحرية، العدالة والمساواة، وهذا ما دفع الكرد إلى إنشاء مؤسسات خاصة بهم، ومن بينها كانت جريدة الترقي الكردية عام 1918م، افتتحت مجلة جين (JÎN) في إسطنبول من قبل محمود سليم بكواندي وحمزة بك مكسي، وبعد ذلك بدأت مسيرة الصحافة الكردية، واقتصرت على الشعر وتعليم اللغة الكردية، ولم تصل إلى مستوى الصحافة، والجريدة التي طبعت كانت تنشر فيها مواد باللغتين الكردية والتركية، أما كردستان فكانت بالكردية فقط، بالأحرف اللاتينية.

  • انتعاش الصحافة الكردية على يد المثقفين والكتاب الكرد

افتتحت سنة 1932م مجلة عرفت باسم (هاوار) من قبل المير جلادت علي بدرخان بطباعة 57 عدداً، نشرت بالأحرف الكردية اللاتينية، وكذلك قام الدكتور كاميران بدرخان بطباعة جريدة (اليوم الجديد ROJA NÛ) بالكردية والفرنسية في لبنان، إضافة إلى ملحق لثلاثة أعداد باللغة الكردية، ومع هذه التطورات كلها في الساحة الكردية بدأ المثقفون الكرد بزيادة نشاطهم في مجال الكتابة، وبرز عدد كبير منهم كـ (سيدايي جكر خوين) الذي كتب له المير جلادت بدرخان مقدمة في ديوانه الأول و(آبو أوصمان صبري)، قدري جان أبو الشعر الكردي المعاصر، مصطفى أحمد بوطي) وهكذا، بدأت الكتابة الكردية تتطور شيئاً فشيئاً، مع جريدة هاوار، وروناهي اليوم الجديد، ولم توجد نسخ من جريدة كردستان في أجزاء كردستان، لأن النسخ كانت موجودة أغلبها عند رجال الدين، وبسبب الهجمات التي تعرضت لها كردستان، ونتيجة الهجرات التي حصلت بقيت الأعداد في مكانها، حيث كانوا يمكثون، ولأنها كانت محظورة آنذاك فقد قاموا بحرقها، وفي الآونة الأخيرة قام بعض المثقفين الكرد بالبحث عن بعض النسخ منها في مكتبات القوقاز، ووجدوا قرابة ثلاثين نسخة منها.

  • تاريخ الصحافة الكردية في سوريا والأجزاء الأربعة من كردستان

أصدر المير جلادت بدرخان في 15/5/1932 العدد الأول من مجلة (هاوار) في دمشق، وتوقفت عن الصدور نهائياً عند العدد (57) في 15/8/1943م، وبعدها مجلة (روناهي) في 1/4/1943م أيضاً في دمشق وقد كانت تطبع شهرياً باللغة الكردية، وحقيقة إن تحدثنا عن وضع الصحافة في (أجزاء كردستان الأربعة)، فإننا نجد بأن إقليم كردستان العراق كان السباق في تشكيل صحافة خاصة بالكرد، لأنها كانت قد استقلت عن السلطة المركزية بطريقة أو بأخرى، على غرار تركيا التي تعادي الصحافة الكردية التي تعيش ضمن أطرٍ مقيدة ومحدودة منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا، وإيران التي تقمع الحريات وبخاصة ما يخص الكرد ولا سيما صحافتهم، وسوريا التي كانت تخلو من الصحافة باستثناء الحزبية إلى أن أخذت في الآونة الأخيرة أي بعد عام 2011م منحى جديداً يعتبر بمنزلة منعطف تاريخي لهم، ما أدى إلى ظهور عدد من الوسائل الإعلامية الكردية المرئية منها والمسموعة والمقروءة، فمنذ بداية (الثورة) في سوريا كان للصحافة الكردية دور جيد.

  • المؤسسات الإعلامية في الشمال السوري بوق للسلطة والحزب الحاكم

ومن أهم العراقيل التي يتعرض لها ممارسي العمل الصحافي في الشمال السوري والمناطق التابعة للإدارة الذاتية عدم العمل بالحيادية والشفافية في نقل الخبر مهما كان نوعه وأهميه وحساسيته، وهذا ما يجعل العمل الصحافي عرضة للنقد واللوم من الأطراف كلهم والحركة السياسية في شمال سوريا، وضعف التمويل وحجب المعلومة باستثناء التابعة للحزب الحاكم في الشمال السوري، وإن نُشرت معلومة ما تكون على مقاس استراتيجية الإدارة الذاتية وسياستها، صحافة مقولبة وتابعة وناطقة باسم الحزب الحاكم، إضافة إلى افتقار الوسط الإعلامي في الشمال السوري إلى إعلاميين أكاديميين ذوي خبرة، ويمكن أن يكون رئيس التحرير للوسيلة الإعلامية تاجراً أو في أعلى سقف تعليمي وثقافي معلم مدرسة ابتدائية، أما الكفاءات يجب تنحيتها جانباً لأنهم وبحسب تعبيرهم خريجو مدارس وجامعات البعث الحزب الحاكم في الدولة السورية، ليضطر هذا الأكاديمي إلى العمل في وسائل إعلامية خارج حدود المناطق الإدارة الذاتية، لذلك لم تؤدِّ الصحافة الكردية الدور المنوط بها حتى الآن، كونها لم تبلغ بعد مرحلة المهنيّة المرجوة، ولم تواكب روح العصر، ولم تستطع الصحافة الكردية بشكل عام أن تكون صوت مواطنها، وما تزال كذلك حتى الآن، كون الصفة الرئيسية المميزة لها هي الحزبوية، بل كانت دائماً صوت فئة معينة من مؤيدي حزبها ومناصريه، وهذا ما نلاحظه في معظم الوسائل الإعلامية الموجودة في الشمال السوري التي تنادي بالحيادية والاستقلال.

  • الصحف الحزبية الممنهجة والمؤدلجة يتبعها أنصارها كالقطيع

لم تلعب الصحافة دورها منذ تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري سنة 1957م، ومع الأسف الصحافة التي نراها في يومنا هذا، هي صحافة حزبية وكلٌ يعمل لمصالح حزبه، ولم نجد إلى الآن صحافة تعمل لمصالح الشعب، إضافة إلى بعض الحيادية في قليل من الوسائل الإعلامية ذات التمويل الخاص، الصحافة الكردية يمكن تشبيهها بالتناقضات بين الأحزاب الكردية، ومن المعلوم أن 75 في المئة من الصحافة الموجودة في المنطقة تتخذ من العربية أساساً لها، وكانت الصحافة الكردية في سوريا، مقتصرة في السابق على المنشورات الحزبية التي لم تكن تفي بالغرض، وذلك لأن الصحافة كانت خاضعة لسيطرة السلطات الأمنية التي كانت تحارب بقوة أي نشاط يصب في مصلحة الكرد، وبالطبع تمنع أي وسيلة إعلامية من ممارسة عملها، إن لم تكن تحت مظلتها، ولا يخفى وجود صحافة حزبية بحتة في سوريا كجريدة البعث والثورة والفضائيات كالتلفزيون السوري، لم يختلف واقع الصحافة الحالية في الشمال السوري عن السابق، لأنها بقيت تحت عباءة السطات الحاكمة، والصحافة الكردية الناشئة تعتمد على الهواة، وهذا ما شكل عقبة تعترض طريقها، لأنه كما هو معروف بأن تطور الصحافة يعتمد على المهنية والتخصص والتدريب الدائم.

  • اتحاد الإعلام الحر تسمية بعيدة عن الحقيقة

أعلنت الإدارة الذاتية تأسيس اتحاد الإعلام الحر عام 2012، وله فروع في مناطق عدة من الشمال الشرقي من سوريا، وعلى الرغم من ادعائه بأنه المظلة الشاملة للإعلام في الإدارة الذاتية في روج آفا (شمال سوريا)، وتأكيده بأنه ليس منحازاً لأي طرف سياسي ويقوم بتقديم المساعدة والحماية للإعلاميين كافة ومن أي طرف حزبي كان، إلا إن الإعلام الحر يواجه انتقادات كبيرة من قبيل انحيازه إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (أكبر أحزاب الإدارة الذاتية الديمقراطية) من إعلاميين ومثقفين مستقلين، وبعده كل البعد عن المبادئ التي يقوم بتجديدها مع كل مؤتمر يعقده، ويقتصر دوره على منح البطاقة الصحافية لتسهيل مهمة الصحافي في أثناء العمل وبشروط هو من يحددها، إلى جانب قيامه بتنظيم اعتصامات وتظاهرات تنديد، بحق بعض الصحافيين المعتقلين، أو ممن يتعرضون للتعذيب على يد أي طرف سياسي خارج حدود مناطق الإدارة الذاتية، وجل ما يفعله متابعة الصحافيين وتضيق الخناق عليهم بخصوص المعلومة والوصول إليها بحجة المحافظة على الأمن العام، وعلى الرغم من مرور قرابة سبع سنوات على تأسيس اتحاد الإعلام الحر إلا إنه لم يقم بتقديم أي تعويض لأي صحافي تعرض للأذى في أثناء مزاولته المهنة ولم يجرِ منحهم أي بطاقة تأمين أو ضمان صحي ولا اجتماعي في حال الإصابة في أثناء العمل.

  • الصحافة الكردية ما تزال تترنح كردياً

المؤسسات الإعلامية وليدة المتغيرات التي طرأت على سوريا بشكل عام وعلى الشمال السوري بشكل خاص، وما هي إلا انفجار لطاقات كامنة كانت قديماً مقموعة بسلطة استبدادية تمنع الماء والهواء عن كل ما هو إنساني أو كل ما يساهم في تطور المجتمعات، الإعلام الذي يشكل السلطة الرابعة في الدول المتقدمة، ما زال يترنح كردياً، إذ إن التقويم العادل لوسائل الإعلام الكُردية من إذاعات ومواقع إلكترونية وجرائد لا بد أن يكون على أساس المهنية التي يجب أن تتوافر فيها، الأمر الذي نفتقده في وسائل الإعلام الكردية حديثة المنشأ، ولأسبابٍ أكثرها مرتبط بعراقيل عدة تطرقنا إليها سابقاً، فالإعلام الكُردي الحديث يلقى صعوباتٍ عدة كي تصل رسالته بالشكل الصحيح إلى الرأي العام، عدا عن افتقاده إلى خاصية مهمة في الإعلام وهي التأثير في الرأي العام وتوجيهه نحو تقويم عمل السلطة وتشكيل جهة رقابية على كل ما من شأنه أن يؤثر سلباً في المجتمع، فدور الإعلام يتجلى في كونه مرآة للمجتمع الذي هو فيه، وهذا ما لا نتلمسه كجمهور ولا كإعلاميين.

  • خاتمة

تطرقنا إلى كثير من المحاور والجوانب التي أسست على أنقاضها الصحافة الحالية في الشمال الشرقي من سوريا تلك المناطق التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية، وبخاصة مع تراخي قبضة النظام السوري التي كانت الصحافة فيها معدومة، لتحصل الصحافة الحزبية ذات الرتوش التجميلية على صلاحيات وشعارات فضفاضة وواسعة بعض الشيء، وأما تلك الجهة الراعية للصحافيين والمسماة باتحاد الإعلام الحر التي تدعي في بنود نظامها الداخلي وجوب حماية الصحافيين والإعلاميين، في الوقت الذي هي من يقطع أنفاسهم في قول الحقيقة ونقل الحدث بحيادية وشفافية كما يجب. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى