fbpx

الباكستان: ما بين قانون التجديف والأصولية

يعود قانون مكافحة التجديف إلى القرن التاسع عشر وكان يهدف  إلى حماية أماكن العبادة(1) وعام 1927 جرم البريطانيون خلال الحكم الاستعماري  للقارة الهندية أي فعل عمدي خبيث يهدف إلى إثارة المشاعر الدينية لأي فئة عن طريق إهانة معتقدها الديني، غير أن هذا القانون لم يميز بين دين وآخر عند صدوره(2)، وانتقل هذا القانون إلى الدولة الباكستانية الوليدة، وفي ما بعد عُدِّل القانون، في عهد الجنرال ضياء الحق خلال محاولاته في السبعينات لأسلمة الدولة الباكستانية، وجرى تغيير القانون بفرض عقوبة المؤبد على من يدنس القرآن وعام 1986، أضيفت عقوبة الإعدام إلى القانون لمن يشوه الإسلام(3) وهو القانون الذي اتهم به المئات، إذ لا إحصاءات واضحة بهذا الشأن، فقد أدانت الحكومة الباكستانية عدداً من الأفراد بالتجديف وحكمت عليهم بالإعدام، غير أن القانون قد تلجأ إلى استخدامه جماعات أو أفراد يعملون على تنفيذه في بعض المناطق القبلية من دون الرجوع للدولة. عام 2011 أصبح (مالك ممتاز قادري) بطلاً قوميًا في الباكستان، بعدما قام بقتل حاكم إقليم البنجاب سلمان تيسير(4) وذلك بعد ما دعا سليمان تيسير إلى إلغاء قانون التجديف أو تعديله، وطالب حينها بالعفوِ عن امرأةٍ مسيحيةٍ تدعى (آسية بيبي)(5) كان قد حُكم عليها بالإعدامِ عام 2010. وهنا تبدو المأساة، وتبدو المفارقة الغريبة، إذ إن الأفراد العاديين يمكنهم ارتكاب جريمة قتل ويتحولون إلى أبطال في نظر مجتمعاتهم بعد ارتكابهم هذه الجريمة وبعد مخالفة قوانين الدولة، وذلك وفقاً للأعراف القبلية المتعارف عليها هناك، ما يعني أن التراجع عن قانون التجديف أو تعديله قد يؤدي إلى حالة من الفوضى غير المسبوقة في البلاد. في ذلك الوقت كانت الدولة صارمة في تنفيذ حكم الإعدام بـ مالك قادري(6) نتيجة جريمته، لكن التحدي بلغ ذروته عندما رد المتطرفون في إثر ذلك بتنفيذ عمليات انتحارية عدة، طال أحدها مجمعاً قضائياً في منطقة شاباقدار القبلية في إقليم خيبر(7) ثم تلت ذلك عملية اغتيال ثانية  بعد أقل من شهرين طالت وزير الأقليات في الحكومة الباكستانية شهباز باتي وذلك في  الثاني من آذار/ مارس 2011 بسبب  مطالبته بتعديل قانون التجديف(8). في ما بعد قامت الجماعات الإسلامية بتحويل قبر مالك قادري إلى مزار كبير يتردد عليه الناس يومياً حتى وقتنا هذا، في الوقت الذي صنفت أعلى محكمة في باكستان (قادري) إرهابياً، وهو ما يكشف حجم التحديات التي تواجهها الدولة، فهي لم تكن قادرة على منع الجماعات الإسلامية من بناء المزار لـ قادري(9) خشية حصول تصعيد أكبر إذ اعتادت الجماعات الإسلامية على النزول إلى الشوارع لدى كل مأزق سياسي، ولكن كيف وصل الأمر إلى هذا المستوى؟ وكيف وصل تأثير الجماعات الإسلامية التي تغذي نزعة التطرف، إلى هذه القدرة من التأثير في الشارع، بحيث تحسب لها الدولة الحساب في تعاملها معها.

  • الجماعات الإسلامية قبل الدولة

ولدت الجماعات الإسلامية في بلاد الهند قبل الانفصال وقبل تكوين دولتي باكستان الغربية والشرقية ثم جاء الانفصال الثاني بين بنغلادش وباكستان، ويرجع عوامل ازدياد دور الحركات الاسلامية، إلى أنها جاءت وتشكلت، وترعرعت داخل تلك البيئة قبل مجيء فكرة انفصال القارة الهندية، وقبل تشكيل دولة باكستان، وأسباب ذلك عدة، منها داخلية متعلقة بطبيعة الصراعات العرقية والدينية التي نتجت في القارة الهندية عقب الحربين الكونيتين، ومنها ما يعود إلى حالة الاغتراب التي عاشتها الجماعات الإسلامية بعد زوال الدولة العثمانية، ولعل أبرز تلك الجماعات الإسلامية هي ما بات يعرف بـ(الجماعة الإسلامية في باكستان) التي أسسها في الهند أبو الأعلى المودودي(10) في 26 أغسطس/ آب عام 1941 التي ما تزال تعرف بهذا الاسم إلى يومنا هذا، إضافة إلى عدد من الجماعات الإسلامية المنتشرة في عموم القارة الهندية اليوم. مشكلة باكستان بالأمس أو اليوم، هي مشكلة عموم الجماعات الإسلامية التي تحمل داخل مخيلتها فكرة إقامة (دولة الشريعة الإسلامية) لكن هذه الجماعات تعيش أزمة إخراج هذه الدولة من مخيلتها وتحويلها إلى نموذج واقعي يمكنه إحداث نقلة نوعية في مستقبل البلاد، أمام غياب نموذج حقيقي يمكن أن تستند إليه هذه الجماعات التي هي أكثر ما يمكن وصفها أنها جماعات حالمة ترغب في تركيب حلم الدولة العادلة على أرض الواقع، لكنها عندما تريد ممارسة هذه الفكرة، لا تملك وسيلة حضارية لتقديم هذا النموذج المُتخيل، لأنها ترى نفسها البديل الحتمي لكل ما هو موجود، وهو ما يؤدي بها إلى استمرار العيش داخل هذه الفقاعة المتخيلة.

  • فكرة دولة الشريعة

تعدّ المدارس الدينية في الباكستان من أهم ملامح البلاد، إذ تشير الإحصاءات إلى وجود 247 مدرسة دينية عشية استقلال باكستان عام 1947 وبلغ عددها عام 1988 إلى 2861 وهي المدّة التي شهدت دعما كبيراً من الجنرال ضياء الحق في حقبة أسلمة الدولة،  وحتى عام 2000 تشير الدراسة إلى أن عدد المدارس الدينية ارتفع إلى 6761 في زيادة ملحوظة ومثيرة للاهتمام(11)، وتعود أسباب انتشار المدارس الدينية في باكستان إلى عوامل أبرزها الفقر والأمية وعدم قدرة الأهالي على تعليم أبنائهم بينما تتيح المدارس الدينية التعليم المجاني بسبب حصولها على التبرعات. يضاف إلى ذلك عوامل الانفصال عن الهند وبروز جيل واسع من الدعاة ينتمون إلى الجماعة الإسلامية التي أسسها المودودي وغيرها من عشرات الجماعات التي نشأت في الباكستان بعد الاستقلال التي تبنت المدارس الدينية وحافظت على دورها، وفي ما بعد كان لها أكبر الأثر في الحقبة الأفغانية، وسيكون دورها أكثر وضوحاً عندما تنشأ حركة طالبان من وسط هذه المدارس الدينية، وهي التي ستنشئ أول دولة تحكم بالشريعة الإسلامية (ولكن وفق رؤية حركة طالبان ذاتها) ووفق رؤية الفكر الديني الذي ظهر في باكستان وعموم القارة الهندية. فكرة إنشاء الخلافة أو إعادة إحيائها بدءاً من نشأة الحركات الإسلامية المتعددة في الهند، مثل حركة الخلافة، وحتى نشأة الجماعة الإسلامية بزعامة المودودي عام 1941، كلها كانت تعيش هاجس تطبيق الشريعة الإسلامية، وصولاً إلى الطرف العربي وخصوصاً حركة الإخوان المسلمين التي نشأت في مصر في 22 آذار/ مارس 1928، لكن وجود التعليم، وفوارق الوعي والثقافة في الشرق الأوسط، جعل من حركة الإخوان المسلمين تتأخر كثيراً في الصعود، على الرغم من أنها سبقت الجماعة الإسلامية في الباكستان بالظهور، فاحتكاك الشرق العربي بالدول الأوربية كان قد أخذ طابعاً مختلفاً عن الحياة في القارة الهندية، خصوصاً منذ حقبة محمد علي باشا الذي أدخل الصناعة إلى مصر مبكراً وعمل على تحديث التعليم، حيث كان دور الأزهر الشريف علامة فارقة في التطور والوعي، من خلال إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا منذ عام 1826 بينما كان نقيض ذلك يحدث في باكستان التي كانت بعيدة عن التعليم وتنتشر فيها الأمية بشكل كبير، وهو ما عزز فكرة المدارس الدينية البديلة هناك التي ظلت تختصر المشهد المستقبلي في تكوين دولة إسلامية فاهتمت بالجوانب الشرعية، وأغفلت عموم نواحي الحياة.

  • الحقبة الأفغانية

وصل الإسلاميون إلى أبواب السلطة في الباكستان، وتحالفوا وتخاصموا بحسب تناوب الأحزاب على السلطة، ويبقى الصعود الأهم للجماعات الإسلامية يتركز في حقبة الجنرال ضياء الحق الذي انقلب على سلفه ذي الفقار علي بوتو بعد مدة من الاضطرابات قامت بها الجماعات الإسلامية ونتج منها مقتل مئات، وهو ما أعطى المسوّغ للجنرال ضياء الحق بالقيام بالخطوة الانقلابية. لنشاهد الفقرة الآتية من مؤلف موسوعة تاريخ العالم، (بدأ ضياء الحق حكمه بالتقرب من الحركات الإسلامية وحصل على تأييدها وشاركت معه في الوزارة الأولى التي شكلها، إذ تسلمت الجماعة الإسلامية حقيبة الإعلام وكان خال ضياء الحق هو زعيم الجماعة الإسلامية في باكستان)(12). أهمية الفقرة السابقة أنها تلقي الضوء على جانب مهم في حياة الباكستان، وصعود الجماعات الإسلامية المثيرة للجدل هناك. فالمعروف أن الداعية (ميان طفيل محمد) تسلم زعامة الجماعة الإسلامية في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1972 بعد تنحي المودودي مؤسس الجماعة عن زعامتها بسبب طارئ صحي(13)، ولكن؟ أن يكون الجنرال ضياء الحق هو ابن شقيقته فذلك يطرح أسئلة عدة تحتاج إلى أجوبة، وتبدأ الحكاية التي تحتاج إلى أجوبة، هي في تردي الأوضاع السياسية في باكستان التي كان يحكمها آنذاك ذو الفقار علي بوتو الذي قام في الأول من نيسان/ أبريل 1976 بتعيين ضياء الحق رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، متجاوزاً خمسة من الجنرالات كانوا أقدم رتبة منه، بسبب اطمئنانه إليه أنه ليس له ميول سياسية(14) وكان معروفاً عن ضياء الحق آنذاك أنه شخصية متدينة محافظة على العبادات. هنا يبرز السؤال الآتي: ما الذي أراده علي بوتو من هذه الخطوة، فهل كان يريد استمالة الإسلاميين بتعيين ابن أخت زعيم الجماعة الإسلامية في موقع حساس، أم كان يريد طمأنتهم أن توجهاته العلمانية لن تمس بمصالح الإسلاميين في البلاد؟ تلك أسئلة مشروعة، لأن مسألة تعيين ضياء الحق وفقاً للعرف العسكري والسياسي السائد لم يكن منطقياً أمام وجود شخصيات عسكرية أعلى منه مرتبة. في النهاية وبعد إزاحة علي بوتو عن السلطة والحكم عليه بالإعدام، كان التقارب العلني بين الإسلاميين والسلطة، إضافة إلى الشراكة وتسلمهم أهم منبر في الدولة وهو وزارة الإعلام، ثم ستدخل البلاد لاحقاً في منعطف جديد يعيد الإسلاميين إلى الصدارة بصورة أكبر، إنما خلال قضية جديدة خارجية، وهي بدء مرحلة المجاهدين الأفغان، ثم قيام الجماعة الإسلامية في باكستان بالدور الأكبر في استقبال المجاهدين، وتهيئتهم وإرسالهم مجدداً إلى أفغانستان، وبهذه الخطوة كان يمكن القول إن باكستان بدأت تتخلص من ضغط الجماعات الإسلامية على السلطة، لكن الأمر كان بعكس ذلك، فمع مقتل ضياء الحق، والتبدلات التي حدثت في أفغانستان، كانت فكرة (الانتصار)  قد ترسخت في أذهان القوى الإسلامية، فباتت التجربة الأفغانية بمنزلة التجربة والنموذج الناجح الذي توهمت الحركة الإسلامية هناك بقدرتها على تعميمه. ثم جاءت نشأة تنظيم القاعدة(15)، ومع بدء عودة المجاهدين من أفغانستان إلى بلادهم، كان النموذج الأفغاني قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الفكرية للحركات الإسلامية، ليس في أفغانستان وحدها ولكن في البلاد العربية وأفريقيا وغيرها، بل باتت أصوات زعماء الجماعات الإسلامية تطغى على أصوات المشهد السياسي، فرجال الدين يمكنهم تحريك الشارع والخروج في التظاهرات التي ظاهرها مطالب دينية ولكن مضمونها رسائل سياسية موجهة إلى الدولة، وأيضاً المواطنين الذين هم صندوق الانتخابات المقبل، وهو تماماً ما حدث  عام 2006 في أثناء حمى الضجيج الإعلامي حول الرسوم الكاريكاتورية التي أراد راسموها تشويه  صورة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أعلن رجل دين باكستاني وجماعته دفع مبلغ قرابة مليون دولار لمن يقوم بقتل صاحب الرسوم المسيئة(16). هنا تماماً تشعر كيف تصبح الجماعة الواحدة قادرة على هذا الخطاب الإعلامي الخطر الذي يضع مستقبل الدولة وسياستها أمام مشكلة معقدة، فالدولة عاجزة عن ضبط ألسنة هذه الجماعات وضبط خطابها، وبالمقابل إن خطاب هذه الجماعات إنما ينسف أصلاً فكرة الدولة، ويجعل مستقبلها يسير نحو المجهول. من المؤكد أننا لسنا ضد فكرة المدارس الدينية وإنشائها بتاتاً، لأن المدارس الدينية هي جزء أصيل من التراث الإسلامي الذي يمتد قروناً عدة، ولو نظرنا إلى تجربة الأزهر الشريف الذي كان مؤسسة تعليمية تهتم بمختلف أنواع العلوم، لوجدنا الفارق كبيراً بينها وبين المدارس الدينية الباكستانية، إذ إن المدارس الدينية هناك عملت على خلط التعليم بالشأن السياسي، ما أدى إلى ولادة جيل جديد، يريد العمل على متطلبات التغيير من دون معرفة بشؤون العمل السياسي، وهو ما فعله الإخوان المسلمون أيضاً، وهو ما تميل إليه مختلف الجماعات الإسلامية التي تظن أن فهمها للأمور الدينية يؤهلها لقيادة المجتمع، وهذا الأمر يتعارض أصلاً مع منهج دولة المدينة المنورة ذاتها التي يتباهى الإسلاميون جميعهم بها، ويدّعون قدرتهم على تقليدها،  ففي دولة  المدينة تلك، كان خالد بن الوليد الذي لم يكن يحفظ سوى سوراً قصيرة عدة من القرآن الكريم، كان هو قائد جيش المسلمين، وهو المفاوض السياسي وصاحب القرار، بدءاً من الجزيرة العربية وحروبها وصولاً إلى حروب بلاد فارس والعراق وبلاد الشام، بينما كان فقهاء المدينة الأشهر والأعلم والأكثر حفظاً للحديث الشريف، يجلسون في المدينة وليس لهم أي دور سياسي مطلقاً مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس الذي كان يسمى بـ حبر الأمة من كثرة علمه. فلماذا إذاً يحشر الدعاة أنفسهم في فن الإدارة وقيادة الشعوب؟

  • خاتمة

البحث في الحصيلة التاريخية عن مواضع الضوء والظلام، يصبح عملياً مقارنة تاريخية يمكن إعادة البناء عليها في المخيلة التاريخية تلك، وهو ما يدفع نحو تزاحم الأفكار حول المجتمع المثالي المنشود، وهنا تبدأ عملية الإنتاج النظري، بحيث يتحول هذا الإنتاج إلى كمّ هائل من الأفكار التي تفترض معطيات غير واقعية وغير ممكنة على الأرض. ثم تبدأ اللعبة الحزبية بخلط هذه الأفكار مع الموروث التاريخي، بحيث يصبح الحزب أو الجماعة في عقول المؤمنين بهذه الأفكار هو الحقيقة بعينها وهو المستقبل، ويصبح الحزب السياسي أو قائد الجماعة هو ممثل الإسلام الحقيقي لأولئك الأفراد، ورويداً رويداً يتحول زعيم الجماعة أو الحزب إلى أب روحي، يسلب أتباعه فكرة الاختيار، ويصبح ذلك الحلم في التغيير، متجسداً في شخصية سياسية، أو بنية حزبية معينة، وفكر حزبي محدد غير قابل للمناقشة، وهو ما يمكن أن نسميه بفكرة الحتميات التاريخية داخل الفكر الإسلامي الذي صعد عقب النظرية الشيوعية. هكذا كان الإسلام السياسي، هو محض دولة في الخيال، ومجموعة بشرية تصنع أفكارها في الظل، وقيادة دينية بعيدة ومعزولة عن العمل السياسي، ومع ذلك تريد الدخول في دوامة العمل السياسي. وبسبب فقدان تلك المهارات في إدارة شؤون المجتمع، ينتهي الأمر في هذه الجماعات إلى منظومة تمارس الاستبداد بأبشع صنوفه، وتعمل على تحويل أتباعها إلى أرقام بشرية فحسب، قابلة للمحو والكتابة كيف تريد. الأفكار البشرية ليست قوانين فيزيائية ثابتة ولا معادلات كيميائية معروفة الحساب والنتائج مسبقاً، إنما هي في الحصيلة جهد إنساني يخدم حقبة زمنية محددة، قد تطول وقد تقصر، لذلك ما رآه بعضهم من صحة أفكار الحسن البنا أو المودودي في حقبة زمنية معينة، لا يمكن تطبيقها على هذا الزمن بتاتاً، فما كتبه المودودي من الباكستان والبنا من مصر، لا يصلح لتغيير الواقع. كانت مرارة الواقع الاجتماعي وأوضاع الهزيمة النفسية التي انعكست على عموم العالم الإسلامي كانت تجد نفسها أمام سيل تلك الأفكار في حالة من الاستسلام الكامل، وكانت تلك الأفكار في حقبة زمنية تمثل الحل لكثيرين، وخصوصاً في ما يتعلق بمسألة الخلافة، إذ إن الجامع بين المودودي وحسن البنا يتمثل في إعادة إحياء الخلافة، مع أن الخلافة أصلاً سقطت منذ قرون طويلة، ولم تكن أكثر من حكم عائلي قائم على الاستبداد، من هنا كانت فكرة الخلافة هي الفكرة السهلة في الأذهان، وهو ما يعني أن الإنتاج النظري الديني كان يخفي حقيقة غائبة وهي البحث عن مصدر للقوة، وهنا تكمن أبرز أزمات الإسلام السياسي، عندما يكون (الدين) وسيلة للوصول إلى هدف آخر هو السلطة التي بعد الوصول إليها، يفكر أولئك الإسلاميون باستخدام قوتها لإعادة إنتاج مجتمع إسلامي عادل، هو أصلاً كامن في المخيلة لا غير. ويبقى السؤال: الى أين تتجه الجماعات الإسلامية في باكستان، وهل ستنقل البلاد إلى أفغانستان ثانية؟ ما هو مستقبل الجماعات الدينية وهل تدرك هذه الجماعات أن فن القيادة غير مرتبط بمقدار المعرفة الدينية؟ ثم هل الجماعة الإسلامية هي نقيض فكرة الدولة، من ثم لم يعد هناك مجال للتفاهم بين الجماعات ونظام الدولة في مختلف أماكن وجود هذه الجماعات. ثم هل نحن ذاهبون إلى المجهول فعلاً في جميع الأماكن التي ظهرت فيها جماعات دينية؟ مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى