fbpx

الثقافة التربصية

بعد أن فقدت الأمة رشدها نتيجة ولادة ثقافة الاختلاف المذموم الذي ذهب ضحيته عشرات آلاف عبر تاريخ الأمة، فتولدت نتيجة هذا الاختلاف فيروسات كثيرة، تمكنت من عقولنا، وحرفتها عن طريق الصواب، وجعلتها تتخبط في دياجير التفتت والتشرذم والعداوة، ففَّرخت تلك الثقافة فيروسات كثيرة غدت ذات طابع عربي بامتياز. ومن أخطر تلك الفيروسات فيروس (الثقافة التربصية) ونقصد بالثقافة التربصية التركيز على النقاط السوداء عند الآخرين مع التعامي عن النقاط البيضاء الموجودة لديه وإهمالها. بل أكثر من ذلك، فقد أصبحنا نحمل مجهراً نسلطه على زلات الآخرين وعثراتهم وأعمالهم، لنهدم ما بنوه لا لشيء إلا لكوننا نختلف معهم في الرؤية أو الوسيلة أو المنهج. القرآن الكريم الذي عمل على تأسيس العقل الإنساني حتى يكون عادلاً ومنصفاً لا يحط من قدرات الآخرين أو حقهم، فهو في الوقت ذاته أسس العقل على رفض الثقافة التربصية، وطالبنا بالعدل مع خصومنا أياً كانوا؛ قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ. (الأنعام: 152). وحذرنا من أن يحملنا الاختلاف المذموم على طمس النقاط البيضاء عند الآخرين، حتى ولو اختلفوا معنا في الاعتقاد أو الأيديولوجيا حيث قال: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. (المائدة: .8). أي لا يحملكم بغضكم ولا حسدكم ولا اختلافكم مع الآخرين على عدم العدل، لأن عدل الإنسان مع الآخرين يعني وصوله إلى قمة مراتب تقلبه في الإنسانية. ولكن للأسف الشديد مع ادعائنا العدل واحترامنا الرأي الآخر ودعوتنا إلى فتح جسور التواصل مع الآخرين؛ إلا أن فيروس الثقافة التربصية تمكن منا في حكمنا على الآخر، حتى أصبحنا لا نرى فيه إلا أخطاءه، وهي قد تكون أخطاء في مفهومنا لا مفهومه، بل ربما تكون صواباً في رؤيته؛ لأن إمكانية تعدد الصواب واردة. نتيجة تفشي فيروس الثقافة التربصية الذي انتقل من النخب المثقفة إلى عامة الناس، يمكننا القول بأن الثقافة التربصية أصبحت وباءً يجب البحث عن مضادات حيوية له لتوقف هذا الفيروس وتقضي عليه، حتى لا يزداد تآكل العقل العربي، لقد أصبح مجال عمل فيروس الثقافة التربصية في ثلاث اتجاهات وهي:

  • الأول: القراءة التربصية

عندما أقرأ بحثاً أو كتاباً أو مقالاً أو (منشوراً) لكاتب قد أختلف معه أيديولوجياً أو في الاعتقاد أو السياسية، الأصل أن أبحث في عمله عما ينفعني؛ ويرفع من ثقافتي ويوسع مداركي، ولهذا كانت القراءة، إلا أن فيروس الثقافة التربصية، جعلنا نقرأ هذا العمل أو ذاك ليس بحثاً عن الفائدة العلمية والثقافية، بل بحثاً عما يجعلنا ننتقده، ونعري أخطاءه أمام الآخرين ونفضح ما نظن أنه عورات في مفهومنا، ربما لا تكون كذلك في مفهومه. في حين إن القرآن الكريم حثنا على البحث عما هو مفيد، والأخذ بما هو صالح ونافع، وترك ما سوى ذلك، لذلك حذرنا مما سماه القراءة العضينية (القراءة المجتزأة) حيث قال: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. (الحجر: 91). أي الذين لووا أعناق النصوص واجتزؤوها من سياقها لخدمة أفكارهم وتوجهاتهم. إن الإصرار على القراءة التربصية ونحن نقرأ الآخر، إنما يزيد شقة الاختلاف المذموم بيننا، ويحرم العقل من الاستفادة من أفكار الآخرين وتجاربهم، ويمنعنا من عملية التنمية والقفزة الحضارية التي من الواجب علينا أن نعمل من أجلها.

  • الثاني : السماع التربصي

فيروس القراءة التربصية؛ ولّد ثقافة تربصية من نوع آخر؛ وهي السماع التربصي، فحينما أتحاور مع الآخر أو أستمع إلى محاضرة لباحث أو مفكر، الأَوْلى أن أركز على النقاط الإيجابية لديه للاستفادة منها، حتى أضمها إلى رصيدي المعرفي، إلا أن فيروس الثقافة التربصية؛ جعلنا نبحث ونحن نستمع إلى هذا أو ذاك إلى تحليل لا ينسجم مع توجهاتنا أو آرائنا أو ثقافتنا، فنحول الحوار معه من وسيلة للتفاهم والتعايش إلى طريقة لحرمان الآخر من طرح أفكاره وآرائه، ومحاولة إثبات أنه الخطأ المطلق، مع أن الحقيقة المطلقة لا يمكلها إلا اللَّه سبحانه وتعالى، وأما أفكارنا وأحكامنا فهي نسبية، ومن الجنون أن نعطيها صفة الإطلاق، لأن ذلك يتنافى مع المنهج العلمي. لقد أصبحنا نتيجة الثقافة التربصية التي غزت عقولنا، لا نسمع الآخرين إلا تربصياً، متغافلين ومتجاهلين عن عمد الخير والصواب في كلام الآخرين، حتى انعدمت عندنا أمانة النقل.

  • الثالث: النظرة التربصية

الفيروس الذي فرَّخ القراءة التربصية والسماع التربصي، نتج منه -في ثقافتنا التي تحتاج إلى إعادة تقويم عاجلة- النظرة التربصية التي تتمثل في ألا أرى في الآخرين إلا عيوبهم ونقاطهم السوداء، مع ممارسة العمى والعمه الإرادي عن الجمال والحق والصواب عند الآخرين، حتى ولو كنا نتفق معه في الأيديولوجيا. إن الثقافة التربصية جعلت منا نقَّاداً للآخرين بطريقة سيئة، من دون أن نستطيع تقديم ما قدموا، ولا فعل ما فعلوا، بل انحصرت مهمتنا في تثبيط المبدعين، والعمل على تكريس ثقافة الاختلاف المذموم، ما جعلنا أدوات هدم وعرقلة للتنمية والرقي الحضاري والمعرفي، بدلاً من أن نكون متكافلين متضامنين للوصول بمجتمعاتنا نحو الخطوة الأولى في الطريق الصحيح. إن الواجب الأخلاقي والوطني والديني؛ يحتم علينا أن نعيد النظر في ثقافاتنا التي تسللت إليها فيروسات هدامة ألبسناها ثوب الشرعية، على الرغم من أنها ما كانت شرعية أبداً، ومن الواجب أيضاً أن يعمل المثقفون على وأد تلك الثقافات السلبية التي تضع العصا في عجلات التقدم والتطور والنهضة، وألا يألوا جهداً في تصحيح تلك المفهومات المغلوطة التي تسللت إلى عقولنا في لحظة الوهن الثقافي، فجعلت العقل يتجه نحو الأسلوب والطريق الخاطئ، لنعود به حنيفاً واعياً في الاتجاه الصحيح. وإن لم نتدارك تلك الفيروسات الثقافية والفكرية؛ فإننا نساهم في انحطاط مجتمعنا في دركات الاختلاف المذموم الذي لن‏ يبقي ولن يذر. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى