fbpx

المجلس الإسلامي السوري يمنع الزواج من "الكتابية".. والقرآن الكريم يحلّل!

الكاتب: أحمد طلب الناصر   بصورة لا تخلو من الطرافة والاستغراب والاستهجان في آن واحد، يعلّق أحد الشبّان السوريين المهجّرين على فتوى منع الزواج من الفتيات والنساء الكتابيات التي سنّها ثلّة من مشايخ وعلماء سوريين مؤخراً، فيقول: “يا شيخ.. قبل أن تحرّم زواجنا من الأجنبيات حبذا لو تصدر فتوى توصي بها أهالي الفتيات المسلمات أن يخفضوا من مهورهن في بلاد الاغتراب التي تصل في أقل التقديرات إلى عشرين ألف يورو، في الوقت التي ترضى فيه الفتاة الأوروبية بخاتم صغير، إن توفّر. ثم يا شيخ.. هل تعتقد بأن الأوروبيات يقبلن بالزواج منّا أصلاً؟!”. جاء التعليق ردّاً على فتوى أصدرها المجلس الإسلامي السوري في تركيا، بتاريخ 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، يمنع بموجبها زواج المسلم من المرأة “الكتابية” في الدول الأجنبية، والمقصود بها الدول التي لجأ إليها السوريون هرباً من نظام القتل، بحجة أن ذلك الزواج ستترتب عليه تبعات خطيرة فيما يتعلّق بمسألة النسب حسب القوانين الغربية التي تنص على تبعية الأبناء للأم، لا سيما في أحكام الأسرة والطلاق والحضانة، ونحوه مما يؤدي إلى (نشوء الأبناء على دين آخر) بحسب ادعاء المجلس؛ وتنشئة الأبناء في بيئة بعيدة عن الدين الصحيح، والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام،  بالإضافة إلى انعكاسه السلبي على النساء المسلمات في حال العزوف عن الزواج منهن. واستند “المُفتون” الموقّعون، وعددهم 22 (شيخاً)، بإصدار فتواهم تلك، على عنصر الاجتهاد الذي خلا من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة لتغدو الفتوى أقرب ما تكون لوجهة نظر شخصية تم الاتفاق عليها فيما بينهم. حيث جاء في نصّ الفتوى: “أما الزواج مِن المرأة الكتابية في بلاد غير المسلمين فقد منع منه كثير من أهل العلم لما يترتب عليه من أضرار بالغة..” كتلك الأضرار التي ذكرناها آنفاً. حقيقةً، طرحت تلك الفتوى العديد من التساؤلات المتعلّقة بمدى صحتها، وزمانها، وغايتها، وانعكاسها على السوريين في بلدان اللجوء، والذين تجاوز عددهم المليون شخص في القارة الأوروبية وحدها؛ بل جاء انعكاسها بمثابة الصاعقة على جزء لا بأس به من العلماء والمشايخ من خارج المجلس المذكور. أولى تلك التساؤلات وأهمها على الإطلاق مستمدة من قوله تعالى: “الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ. وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ. وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”. فأين مشايخ المجلس السوري من هذه الآية الجليّة والصريحة، والتي لم تحدّد إن كان الزواج داخل بلاد المسلمين أم خارجها؛ ولم تحدد زماناً إن كان في زماننا هذا أم في زمن الإسلام الأول؟! ثم، إن المشاكل التي حذر منها المجلس يجب الأخذ بها بعين الاعتبار، لكن هذا كله لا يكون مبرّراً لمنع الحلال الذي أباحه الله تعالى. وبدلاً من إصدار الفتوى المذكورة، كان من الأولى على المجلس وأعضائه إصدار توجيه المسلمين من أولياء الفتيات، وبخاصة في الغرب، أن يسهلوا الزواج للشباب لمساعدتهم على الزواج وتكوين أسرة بدلاً من الشروط التعجيزية التي يطلبونها مستغلّين قلّة العنصر النسائي المسلم في بلدان اللجوء. إن الفتوى الصادرة عن أعضاء المجلس الإسلامي السوري الـ 22، أظهرت للملأ البون الشاسع بين الموقعين عليها وبين الواقع الذي يعيشه المهجّرون. وأوقعت الناس في حرج ليسوا بحاجته، وجمعت آراء مصدريها على التحريم دون ترك فسحة للناس يتفكّروا من خلالها؛ وأثبتوا بالدليل القاطع أن الفتوى لا تؤخذ إلا ممن يعايش الواقع، ولا يصدرها من هو جالس في واد والناس في وادٍ آخر؛ وفي هذا التوقيت العجيب والاستثنائي! لقد صدرت الفتوى لتستهدف، بقصد أو بدونه، حياة آلاف الشباب المهجرين في بلاد الغرب، و تضيق عليهم أمرًا جعله الله مخرجًا لهم في ظل ظروفهم الصعبة، بدل أن تتماشى مع آلية الاجتهاد التي تعتمد بالدرجة الأولى على عامل الزمن والظروف المحيطة. بالإضافة إلى أن أصحابها غاب عن ذهنهم أن قانون الغرب الذي يتخوفون منه، لا يمنع الكتابية من الزواج بمسلم.. ولن يمنعها إذا ما هي اعتنقت الإسلام في ظل زواجها منه إن كان –الزوج المسلم- يمثّل روح الإسلام وأخلاقه فعلاً وقولاً؛ ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين اعتنقت زوجه “خديجة” الإسلام بعد أكثر من 15 عاماً على زواجهما الذي تمّ في زمن الجاهلية. يقول الدكتور “محمد حبش” في معرض ردّه على الفتوى: “أقل ما يقال في فتوى مشايخ المجلس الإسلامي أنها اجتهاد في مورد النص. يحرمون باجتهادهم المحض ما أحله الله في صريح كتابه وما فعله رسول الله بصريح السنة! إنهم يتهمون كل من يجتهد في مورد النص بأنه يلوي أعناق النصوص والجرأة على الله ورسوله، وتقديم العقل على النقل، وتكذيب الله ورسوله! فليتهم يجتهدون في مورد نص الرجم أو نص قطع اليد في ربع دينار أو نص فرض الجزية على المواطنين النصارى”. فإلى متى تبقى هذا التجمعات الفقهية تعيش في كهفها ولا تعاشر العصر؛ ولا تعرف بتبدلاته؛ وأن ما أفتوا به مخالف للقرآن الكريم ومقاصد الدين الإنسانية التشاركية؟ مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى