fbpx

خديعة" الإسلام المعتدل"

انتشرت عبارة “إسلامي معتدل”، بكثافة خلال الآونة الأخيرة، والمقصود بها، مجازاً، بعض أفراد الحركات الإسلامية التي تدّعي قبول مشاركتها السياسية لمختلف الأطياف الفكرية الأخرى داخل نظام الدولة. وضمن هذا السياق يسير ذلك “الإسلامي المعتدل” على خطى مبدأ الدولة الدينية، وإدارة مؤسساتها، إلا أنه يتبنّى خطاباً أقل تشدداً من خطابات الجماعات الإسلاموية الراديكالية، كتنظيمي داعش والنصرة على سبيل المثال، التي يغلب التطرف على طابعها العام في تطبيق شرع “دولة الخلافة الإسلامية” ضمن منظورها لصيرورة التاريخ الإسلامي. وغالباً ما تُطلق صفة “الاعتدال” على الجماعات المنضوية تحت ظل حزب سياسي مكوّن من مكاتب ومؤسسات اقتصادية وثقافية واجتماعية منتشرة في العديد من دول العالم الإسلامية وغير الإسلامية، وأحياناً نجد من بين أعضائها ممثلين في برلمانات ووزارات، كمشاركين في المشهد السياسي والاجتماعي العام للدولة. أُسست تلك الجماعات استناداً إلى مفكّرين ومنظرين استطاعوا رسم خطوط سياسية عريضة ترتكز عليها الجماعات وتعمل على نشرها والعمل بها للوصول بنهاية الأمر، كغالب الأحزاب السياسية، إلى سدة الحكم. خلال التاريخ الحديث والمعاصر برزت تجربتان مختلفتان للإسلام السياسي على الساحة العربية. الأولى، وقد اتخذت طابعاً قبلياً اجتماعياً، وكانت مع بدايات القرن التاسع عشر حين ظهر مذهب “محمد بن عبد الوهاب” في الحجاز. إلا أن آل سعود، الذين تبنّوا تعاليم الوهابية واستطاعوا تأسيس الدولة السعودية الأولى ثم المملكة العربية السعودية، لم يلتفتوا إلى إقامة دولة خلافة إسلامية أو توسيع سلطتهم السياسية خارج نطاق حدودهم الجغرافية الحالية، موطن قبائلهم الأصلي والحاضنة الشعبية التاريخية والجغرافية لهم؛ وقاموا بتطبيق الشرع الإسلامي حسب النهج الوهابي “السلفي”، الداعي إلى نبذ البدع والاحتكام إلى شرع القرآن والسنة النبوية ضمن ذلك المحيط المستعد أساساً لتقبّل هذه الدعوة والذي كان مهد الرسالة الإسلامية ومنطلقها. أما التجربة الثانية، وهي محور موضوعنا، فتتمثل بحركة “الإخوان المسلمين” ذات الطابع الحزبي، والتي توغّلت  في سوريا بعد إنشائها بمصر كما هو معروف على يد “حسن البنا” في منتصف عشرينيات القرن العشرين، لتعلن الجماعة عن نشاطها في سوريا بحلول العام 1944 بزعامة الدكتور “مصطفى السباعي”. ولعل أهم أسباب نشوء الحركة في مصر هو الرد على إلغاء الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923. ولا شك بأن حركة الإخوان المسلمين تعدّ أول “تنظيم” إسلامي سياسي اجتماعي في تاريخ العالم المعاصر؛ إلا أن أدبياته التي اشتملت على مختلف مناحي الحياة لم تخفِ الصبغة العسكرية الجهادية؛ ويتضح ذلك في قول البنّا: “إن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وروحانية وعمل، ومصحف و(سيف)” فهو بذلك لا ينفي صفة الجهاد والقتال لأجل تحقيق أهداف التنظيم المتمثلة بإقامة “الوطن” والمحافظة على “الجنسية” حسب وصفه. يتابع البنّا فيقول “إن فكرة الإخوان المسلمين نتيجة الفهم العام الشامل للإسلام، قد شملت كل نواحي الإصلاح في الأمة، فهي دعوة سلفية، وطريقة سُنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية” إذن، فالإسلام “السلفي السنّي” و”الصوفي” بنظره، هو نظرة شاملة للحياة والمجتمع و “الأمّة الإسلامية” العابرة للحدود والقوميات، وبالتالي فالحركة بغنى عن أية رؤية خارجة عن هذا النطاق. ومن بين أدبيات التنظيم ما ورد أيضاً على لسان “سيّد قطب” حين قال: “إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله، إنها السنة الجارية التي لا تستقيم الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها”. وعلى هذا الأساس كان لتنظيم الإخوان المسلمين في سوريا جولة من “الجهاد” بدأها في نهاية سبعينيات القرن الماضي ضد نظام “حافظ الأسد”، ثم انتهت بعد المذابح والاعتقالات التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين مع بقية أطياف الشعب السوري في المدن والبلدات السورية كان أعنفها ما حصل بمدينة “حماة” في شباط 1982. التساؤلات التي لا تزال تُطرح منذ أربعة عقود حتى اليوم، هل حركة الإخوان المسلمين حركة معتدلة سياسياً؟ فإذا كانت معتدلة كما تدّعي، لماذا توحّد الإخوان المسلمون مع تنظيم الطليعة المقاتلة في ثمانينات القرن المنصرم ووافقوا في تحالفهم المشهور على سلوك تنظيم الطليعة المقاتلة!؟ وما هي حدود الاعتدال السياسي الحقيقية؟ أي التي يجب أن يكونوا مؤمنين بها. نعتقد أن مفهوم الاعتدال السياسي لدى حركة الإخوان المسلمين هو مفهوم مخادع لأنه يتوسّل أدوات سياسية لا تنتمي إلى جوهره الفكري ونقصد بـالأدوات السياسية “الديموقراطية” بغية استخدامها من أجل الوصول إلى هدف بناء “الدولة الإسلامية”. هذه الدولة ستكون ذات مرجعية دينية تنظر إلى المكونات الدينية والطائفية الأخرى نظرة خارج حدود المواطنة الواحدة، والتي ينبغي أن يقرها دستور وطني يعترف بكل المكونات وحقوقها على قدم المواساة. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى