fbpx

سوريّات على مواقد الحرب

سلّطت دراسات وأبحاث عدّة الضوء على عمق المشكلات التي تمدّ جذورها داخل بنية المجتمعات العربية، لتشكّل طوقاً من معاناة صامتة تعيشها المرأة في تبعيّتها لأشكال التسلّط والقهر كافة التي تحوّلها إلى كائن من الدرجة الثانية في بلدان لم تصل ثورات ربيعها إلى ثورات معرفية مجتمعية شاملة على موروث “قروسطي”، بحيث تكون بداية لمرحلة أخرى تنقل المرأة من حيّز اللافعل أو المنفعل بالحدث إلى حيّز الفعل والتشاركية بين الرجل والمرأة بوصفهما مكوّنين فاعلين في بناء المجتمعات. مع انطلاقة الربيع العربي، جرى التركيز على الحضور اللافت للنساء في حركات الاحتجاج التي أتت ردّة فعل على التهميش السياسي والاقتصادي والحقوقي، لكن هذه التغطية المتكرّرة لم تتجاوز حدود سردية الثورات الإعلامية التي غاب عنها الرصد الكافي والدراسات التفصيلية عن أوضاع النساء بوصفهن أحد أبرز الفئات المهمّشة، أو التحوّلات التي عاشتها النساء بعد ثورات الربيع التي لم تكن نتيجتها إيجابية عليهن في معظم هذه الدول، خصوصاً التي انتقلت من الثورات الشعبية إلى الحرب، فمن ليبيا واليمن إلى سوريا صارت النساء ضحايا شرائع الحروب ومعطياتها المختلفة والمتباينة التي جعلت معاناتهن لا تقف عند حدود كيانهن وحقوقهن المسلوبة، بل تتعداها لتؤسّس لمجتمع آخر يختلف بأزماته ومشكلاته المضافة إلى مشكلات أيام السلم. خلف دويّ السلاح وفواتير الدماء التي يدفعها الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً، تكتمل لوحة الحرب بمعاناة مضاعفة تدفعها النساء. وقد يكون ما تعيشه النساء السوريات مثالاً صارخاً على تلك المعاناة التي لا تقتصر على تحويلهن ثكالى وأرامل، أو نساء قيد الانتظار لأطفال وأزواج وآباء غُيّبوا في السجون وعلى جبهات القتال في حرب شنيعة، جُعلت السوريات ضحايا لأوجه متعددة لمعاناة قاسية تتجاوز حدّتها ارتفاع نسبة العنوسة التي وصلت إلى 70 في المئة(1)، أو وجودهن أرقاماً على قوائم الموت التي حصدت من أرواح النساء ما يقارب 27226، إذ وزّع العدد ما بين 15337 أنثى بالغة، و11889 طفلة، بحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 25/11/ 2018(2). ما خفي تحت ركام الحرب سيكون أكثر إيلاماً بالنسبة إلى واقع النساء ومتغيّراته التي رافقت الحرب، وأهمّها:

  • أولاً: تحويل النساء والطفلات سلعاً للبيع العلني بتسويغات شرعية

وتجلّت قسوتها في: زواج الطفلات القاصرات: الذي بدأ في مخيّمات اللجوء، وشهد تزايداً ملحوظاً مع طول مدّة الحرب لتطال الداخل السوري بكثافة، وقد بلغت نسبة زواج الطفلات السوريات في الأردن (35%) وفي لبنان (32%)  أما في مصر (25%) من مجموع زيجات اللاجئات السوريات، وفق ما نشرته منظمة الأمم المتحدة، في أغسطس/ آب 2017. أما بالنسبة إلى الداخل السوري، تُبيّن دراسة نشرها المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية في أغسطس/ آب 2017 أن نسبة تزويج القاصرات انتقلت من 7% من مجموع القاصرات قبل الحرب لتتجاوز 30% عام 2015. ووفق إحصاءات وزارة العدل في سوريا، فإن عقود زواج القاصرات غير المسجّلة في المحاكم الشرعية تمثل 60% منها(3). ليس جديداً على المجتمع السوري زواج القاصرات الذي يعدّ مخالفة للمواثيق الدولية كافة، لكن ارتفاع نسبتها وتغطيتها تحت ستار العَوَز والسَتْر، من دون النظر إلى النتائج السلبية المترتبة عليها بالنسبة إلى المرأة الطفلة، يحوّلها إلى جريمة قتل للروح والجسد معاً. وبدل إغلاق باب الالتفاف على الأحكام القانونية للزواج من خلال السماح للقاضي بأن يأذن بزواج القاصر قبل بلوغها 17 عاماً، جرى تعديل المادة 469 قانون العقوبات في 10/ 6/2018 بما يسمح باستمرار هذه (الجريمة)، بإذن المحكمة المختصة وإذن الولي ما يُبقي طفلات سوريا عرائس ثمينات تتاجر بهن أسرهن شرعاً. زواج المسيار: الذي لاقى انتشاراً واسعاً في الدول العربية بغية تسهيل الزواج وتجاوز صعوبة تأمين تكاليفه وأهمّها المسكن الشرعي، اتخذ وجهاً آخر في الحرب السورية، حيث بات وسيلة للبحث عن مكان إقامة مؤقتة، أو تأمين راعٍ وغطاء شرعي لوجود الفتاة في دول اللجوء، واستخدم لتجاوز العقبات الاجتماعية والقانونية التي تمنع هذا الزواج، كتعدد الزوجات في بعض الدول. ويجري تأمين الشريك عندما يكون الزوجان من بلدين مختلفين عبر شبكات اجتماعية، ومكاتب الزواج على الإنترنت. إذ يكفي البحث على غوغل، لتظهر كثير من النتائج، فخيار “سوريات للزواج” ومكاتب الزواج متعددة الأسماء تؤمّن الشريك الملائم بحسب المواصفات. وتكمن المشكلة في اشتراط بطلان العقد في حال الحمل، وتحميل المرأة تبعات هذا الزواج والحمل، في حال موافقة الزوجة على التنازل عن حقوقها الشرعية في الزواج مثل السكن والمبيت والنفقة لأسباب يجري إدراجها في العقد بناء على رغبة الزوج.

  • ثانياً: تحويل أجسادهن إلى جزء من الصراع

الحرب التي فُتحت فيها أبواب الجحيم، حوّلت النساء إلى لقمة سائغة للانتهاك من الأطراف كافة. فالمرأة التي صارت نازحة داخل وطنها ولاجئة على الحدود، لم تُعفِها الأخلاق والشرائع التي تقيّد حريّتها في حالات السلم، من الاعتداء الجنسي والتحرّش والتعذيب في أماكن الاحتجاز النظامية وغير النظامية، وقد جرى توثيق أكثر من 12 ألف حالة اغتصاب حتى منتصف 2016 من الطرفين. وأيضاً لم تُعفِها من الإضافة إلى قوائم التجارة الساخنة والمربحة في البغاء القسريّ والإتجار بالبشر، بعد أن تحوّلت سوريا إلى دولة منشأ في الإتجار بالبشر بعد أن كانت دولة عبور. وكان أكثرها تداولاً تحرير 75 فتاة حُرِّرن من شبكة للإتجار بالبشر في لبنان في 29/3/2016. صرخات الاغتصاب وواقع البغاء القسري والاستغلال الجنسي، على الرغم مما يشكّله من صدمة أخلاقية لمجتمعات محافظة، لم يلغِ الآثار المترتبة عليها في عدّ الضحية وصمة عار.

  • ثالثاً: الانغماس في الحرب

لقد فرضت الحرب تغييراً ملحوظاً في ممارسة النساء أدواراً لم يعتدن القيام بها، فمن تحوّلهن إلى قاتلات في كتائب نسائية مثل كتيبة “الخنساء” أو انتحاريات في ما يُعرف بظاهرة “الأرامل السوداء” التي أسّسها تنظيم داعش، إلى وجودهن مقاتلات على جبهات الحرب المختلفة، وصولاً إلى تغيّر دورهن في سوق العمل لسدّ الفراغ ومواجهة أعباء حياة زادت الحرب من قسوتها. هذه الحالات على اختلافها وتباينها فيها كثير من الإشكالات التي تخرج عن مسار المساواة للرجل كما يحلو لبعضهم الترويج لها، لتكون دليلاً على انغماس النساء في الحرب ومعطياتها، ليصرن جزءاً من حطامها الذي يحتاج إلى كثير من المعالجات حتى يشفى.

  • ختاماً

نالت النساء نصيباً وافراً من الأوجاع والآلام من جرّاء الحرب وآثارها الكبيرة والمتعددة التي تهدّد بنية المجتمع ككلّ، فما بين الزوجة والأم والأرملة تتنوّع تشكيلة النساء في بلاد الحرب، يختلفن في التصنيف ويتفقن في ثمن الحرب الباهظة الذي يتكبّدنه، بعد أن صرن وقوداً لمآسيها وأوضاعها اللاإنسانية التي تغرقهن في معطيات جديدة لا يمكن الانفكاك منها بسهولة. المراجع 1- العنوسة في سوريا أزمة جديدة تضاف لأزمة الحرب والتقتيل- مركز مساواة http://musawasyr.org/?p=15348 2- إحصائية لعدد الضحايا النساء في سوريا منذ عام 2011 – نداء سوريا-  تاريخ 23 /11/ 2018 www. nedaa-sy.com/news 3- التزويج القسري والعوامل المؤثرة على اتساع ظاهرة تزويج القاصرات السوريات-  المركز السوري للدراسات القانونية- المحامية سحر حويجة –  29/9/ 2018 http://www.sl-center.org/new/?p=109 مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى