fbpx

قانون الأوقاف الجديد في سوريا؛ إعلان وفاة لأكبر موارد الخير الاجتماعي

بعيداً عن صخب الراهن الساسي فيما يتصل بقانون الوقف في سوريا، وكذلك الجدل الشخصاني الذي رافق صدور القانون فإنني أعتقد أن الجانب الأكثر إيلاماً في القانون الجديد أنه أعاد تدوير نفسه، وكرر ممارسات الوقف الفاشل ولم يتقدم خطوة واحدة باتجاه الوقف الذكي الذي صار صفة الوقف في العالم كله. وتركز مواد القانون بشكل غير مفهوم المواد من 56 إلى 89 على الاجراءات الإدارية الصارمة لتسيير عمل الوقف، وبناء شبكة من التعقيدات البيروقراطية القاتلة وتفرض آلية معقدة في ادارة الوقف عبر سلسلة من الموظفين المسؤولين كل في اختصاص للقيام بإدارة مباشرة للوقف، وتعدد الرؤوس والمسؤوليات وهي إجراءات تنسف بكل تأكيد إي إرادة حيوية في بناء وقف حيوي مرن فعال. والأشد إدهاشاً من ذلك كله هو تغييب دور الواقف تماماً في عملية إدارة الوقف وتنميته واستثماره، ولم ترد كلمة الواقف في مواد القانون كلها إلا مرة واحدة!! وبذلك فإنها تقتل أهم معنى للوقف الحيوي وهو مشاركة الإنسان، وتختصر دور الواقف إلى مجرد متبرع للدولة السورية! وفي فقرات المادة 57 المخصصة لبيان ما تشمله الأوقاف تعدد المادة أحد عشر مصدراً للأوقاف كلها تتصل بالأوقاف الموجودة، ولا توجد أدنى إشارة إلى الأوقاف الجديدة المتوقع أن يتم تقديمها للوقف، باستثناء إشارة عصملية بائدة وردت على أراضي العشور بالصيغة التالية: العوائد الثابتة المحولة أو التي ستحول وتحدد عن حاصل الأعشار أو غيرها من المداخيل العمومية المخصصة للأوقاف الخيرية. فهل يمكن أن ندخل العصر الجديد بقانون وقفي كهذا؟ كل ما فيه يوحي بأنهم قصدوا معالجة الوقف كمشكلة مزمنة وليس كأفق متجدد للبناء والتنمية. لعل أهم ما ميز الوقف الإسلامي عبر التاريخ هو قدرته على الإبداع وابتكار الأفكار الوقفية القابلة للتحقيق، وفي سياق ذلك كان ابتكار وقف المساجد ووقف المشافي ووقف الآبار ووقف السقيا ووقف الظلال ووقف الحيوانات الهرمة ووقف المكسرات ووقف الأواني المتكسرة ووقف النساء الغواضب ووقف المصطبة، ولكل وقف منها قصة طريفة تتصل بالإبداع في العمل الوقفي حيث ينشأ الوقف أساساً بفكرة إبداعية غير تقليدية تخدم مصالح الناس. ولكن القانون الجديد لم يوفر اي محرِّض على الإبداع في الوقف وكرر طريقته التقليدية في بناء المساجد ووقف الأوقاف لها والصرف على الأئمة والمؤذنين وقراء الختمة والزوايا والتكايا، وإدارة العقارات المتوفرة دون أي إشارة للإبداع في ابتكار الوقف الذي يخدم حاجات الأمة، كوقف المنح الدراسية والبعثات العلمية ومراكز الأبحاث ووقف أجهزة الحواسيب ووقف محطات الطاقة وجرارات الزراعة ومحطات الطاقة البديلة وغيرها مما تقوم به اليوم حضارات بحالها. لا يمكن تبرير نقص كهذا أبداً إلا إذا كانت إرادة واضعي القانون تنصرف إلى اعتبار الوقف مصيبة قائمة يجب التعامل معها وليست مورداً حقيقياً للتنمية يجب الاحتفاء به وتوفير ظروف قيامه وتطوره في الحياة العامة. لقد تجاوز العالم اليوم هذه البيروقراطيات وحقق ما يمكن تسميته بالوقف الذكي، وهو قيام الأفراد والهيئات والمؤسسات بإطلاق مشاريعها الوقفية بإدارة ذاتية، يتم إشهارها في وثائق الدولة لتقوم الدولة برقابتها أما الإدارة والاستثمار والتنمية فتبقى على عاتق المتبرعين وبإشرافهم وإدارتهم. وهكذا فإنه يمكن اختصار الفارق الجوهري بين الوقف الذكي والوقف الغبي بأن الوقف الذكي أعاد الاعتبار إلى الواقف واعتبر شرطه كنص الشارع، بينما استمر الوقف الغبي بتجريد الناس من مسؤولياتهم وفرض توليتاريا شمولية على إدارة الوقف، تذكرك بالأيام الحمراء في الاتحاد السوفياتي حيث كانت الدولة تفكر عنك وتخطط عنك وتقرر عنك وتتولى إدارة طعامك وشرابك ولباسك …. ويمكنني أن أقول هنا إن كلمة السر في نجاح الوقف وفي فشله هي: أن الوقف مسؤولية أهله، وان الدولة مسؤولة عن رقابة الوقف ولا ينبغي أبداً أن تتولى مباشرة إدارته ومتابعة مشاريعه. لقد أثبتت التوتاليتارية فشلها في إدارة مشاريع تخصصية ولا يحتاج العالم الى إعادة اختراع الدولاب ليدرك ان تنمية مال الوقف لا يمكن أن يتم بحراك الفيلة الذي تمارسه الحكومات البيروقراطية بل هو يحتاج إلى خيول القطاع الخاص وقدراته المتوثبة. لقد بات الوقف اليوم في العالم كله أهمّ أشكال التنمية المجتمعية التي يشارك فيها الأفراد والجماعات في بناء بلادهم، وفي الولايات المتحدة الأمريكية وهي أغنى دولة في العالم حقق الوقف الأهلي تفوقاً واضحاً على برامج الدولة في التنمية الخارجية خصوصاً، وباتت مشاريع الوقف الأمريكي أكبر من مشاريع التنمية الحكومية نفسها وفي عام 1995 بلغ دخل المنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 670 مليار دولار بما يساهم بحوالي 9 % من الدخل القومي الأمريكي[1] وفي عام 2007 أصدر المركز الوطني الأمريكي للإحصاء بياناً يقدر ما أنفقه الوقف الأهلي في العمل الإنساني ما تجاوز مبلغ 8.5 ترليون دولار منها نحو 314 مليار دولار كهبات وعطايا في عام 2007 وحده ، بالرغم من أن هذه العينة لا تمثل إلا 40 بالمائة من مجموع المنظمات المسجلة لدى الدولة. وأكد الإحصاء ان عدد المنظمات غير الربحية في أمريكا، بشكل رسمي، وصل إلى 667.469.1 منظمة مسجلة، وبما أن هناك الكثير من المنظمات غير الربحية غير مسجل، قد يصل عددها إلى أكثر من مليون ونصف المليون منظمة.[2] وتقوم أكبر جامعات العالم اليوم على مؤسسات وقفية، ومن الأرقام المشهورة وقف جامعة هارفارد الذي يبلغ 37 مليار دولار، وهو ما يجعل هذه الجامعة باستمرار على رأس الرانك العالمي، مع أن هذه الأوقاف المرصودة لا تزال بأسماء أصحابها وإداراتهم وإدارة أبنائهم، ولكنها تؤدي الغرض المرصودة لها بأتم وجه، تحت رقابة القانون وتسهيلاته. وفي عام 2015، حققت هارفارد نموًا في العائد الاستثماري بقيمة 5.7 بالمئة، فيما حققت جامعة يال 8.1 بالمئة، فيما ارتفعت في جامعة كولومبيا إلى 10 بالمئة. وهذه الأوقاف الهائلة لا تديرها في الغرب إدارات الحكومة، ولا حتى  مؤسسات الكنيسة ولا تسيطر عليها الدولة، ولا تخضع لقرارات مجلس محلي للوقف، بل هي قرار أصحاب المال أنفسهم وإدارتهم وتصرفهم، ودور الدولة التسهيل والرقابة، وليس الإدارة. قبل سنوات أعلن عن تقديم السد بيل جيتس لتبرع أسطوري يبلغ 45 مليار دولار وهو ما يمثل 85 بالمائة من ثروته وكان المفترض أن يترك الصدارة في أغنى أغنياء العالم لآخرين بعد ان تبرع بهذا الرقم الهائل، ولكن الواقع أن الرجل ظل يتصدر قوائم الفوربكس ويقدم على أنه أغنى رجل في العالم، وكان سبب ذلك ببساطة أن القانون وفّر أساليب ذكية لدفع هذه الطاقات المالية الهائلة للانخراط في العمل الخيري، فالمال سيبقى باسمك، وأنت ستتولى إدارته ـ وستحصل على مزايا من الدولة في إدارة العمل الخيري، تشمل إعفاءات ضريبية واستثناءات في قيود الاستيراد والتصدير وربما منح عقارات لمشاريع حيوية، ولن يكون للدولة أي دور إلا المراقبة والمتابعة! مثل بيل غيتس هناك مئات المليارات الاخرى دخلت سوق العمل الخيري والعلمي وهي ما زالت في عهدة أصحابها وفي ملك أبنائهم وأحفادهم ولكنها تحقق الغاية التي يريدها المجتمع من برامج العمل الخيري والإنساني. ولعل أهم ما يميز الوقف هو نقطة جوهرية وهي أن الواقف لا تنقطع صلته بالعمل الخيري، فالصدقة هي تبرع محض تتم آثاره بوصول الصدقة إلى مستحقيها وخروجها من ملك المالك، فيما يعتبر الوقف صيغة أخرى مختلفة تماماً حيث يستمر الواقف في إدارة الوقف والإشراف عليه هو وذريته ومن يكلفهم بذلك من مجالس الإدارات. هذه المزايا للوقف الخيري طبقها الوقف الإسلامي تاريخيًا وحقق إنجازات هائلة، وتمكن من توفير خدمات حقيقية للمجتمع، وذلك استنادًا إلى خبرة رجال الوقف وتعاون رجال الفقه (القانون) معهم، ولعل أوضح صورة لتعاون الفقه (القانون) مع الوقف هو العبارة التي ابتكرها الفقهاء بعناية شديدة: “شرط الواقف كنص الشارع”. ومقتضى هذه العبارة أن صاحب الوقف سلطان، وأنه قادر على أن يضع الشروط التي يريد، وأن الفقه الإسلامي جاهز لأن يعامل هذه الشروط معاملة النص الديني قرآنًا وسنّة، فاكتب ما تشاء أيها الواقف وسيكون القانون الإسلامي (الفقه) مع اختيارك، وسيحترم إرادتك وسيسجلها كما لو كانت نصًا دينيًا لا يصح تجاوزه. للأسف فإن القانون الجديد يلغي هذه الإرادة تمامًا، ويحصرها في أضيق نقاط، ويفوت على المجتمع طاقات هائلة كان يقدمها الوقف الحر الإبداعي الاستشرافي، وبدلاً من ذلك فإن مواد القانون البائسة تتمسك بممارسات الوقف التربصية البائسة، وتعلن بصرامة عن موت الوقف الذكي وتشييعه وترحيله إلى مثواه الأخير. [1] أورد هذه الإحصائية الباحثان الأستاذان.أ: عبد الفتاح تباني .أ و عبد السلام حطاش – ورقة مقدمة للملتقى الدولي الأول لمعهد العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير المركز الجامعي بغرداية ، نقلاً عن J.STEVEN OTT, the Nature of the Non-profit Sector, Westview press, USA, 1996, p24. [2] المصدر نفسه نقلاً عن: National center for charitable statistics,  www.nccsdataweb.urban.org مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى