fbpx

منبج؛ أوجاع الحاضر وتحدّيات المستقبل

ما تزال مدينة (منبج) تشكل (عقدة المنشار) -كما يقال- في أي سيناريو سياسي أو عسكري حيال الشمال الشرقي من سورية. ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن يبدأ الجانبان، التركي والأمريكي فك هذه العقدة أو خلخلتها، من خلال تطبيق بنود الرابع من حزيران/ يونيو 2018 أوجدت المماطلة الأمريكية ومحاولة الالتفاف على هذا الاتفاق، بل تمييعه تدريجياً، حالة من التوتر بين أنقرة وواشنطن، وقد برع الجانبان في إدارة حالة التوتر، حيث تبادلا أدوار التصعيد والتهدئة، ما يدلّ بوضوح على رغبة الطرفين معاً في عدم قطع الجسور القائمة بينهما، نتيجة حاجة كل طرف إلى الآخر. إذْ إن حرص الولايات المتحدة الأمريكية على الاحتفاظ بحليفتها التقليدية لم يكن محض وفاء قيمي لتركيا، بل هو تجسيد لمصالح جوهرية تتمحور في جانبين، الأول: هو الحضور القوي لتركيا في المسألة السورية، بدءاً من الجغرافية، إذْ تمتد محاذاة الحدود التركية لسوريا مسافة تبلغ 900 كم، إضافة إلى احتواء تركيا عدداً كبيراً من فصائل الجيش الحر، وانضواء هذه الفصائل في عمليتي (درع الفرات وغصن الزيتون)، ما يعني –من الناحية العملية– استحالة قيام أي حالة من حالات الاستقرار في سوريا في ظل تجاهل الدور التركي. الجانب الثاني: يتمثل في حرص واشنطن على عدم انزياح تركيا الكامل من حلف الناتو، وانحيازها إلى جانب روسيا التي يسعى الأمريكان نحو استنزافها اقتصادياً وعسكرياً في سوريا على وجه الخصوص. إلّا أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم  20 – 12 – 2018، القاضي بسحب قواته من سوريا، قد خلط الأوراق من جديد، ولم تعد (منبج) وحدها موضع اهتمام الدول النافذة في الشأن السوري، بل جميع المناطق التي تقع تحت نفوذ الأمريكان، وحلفائهم في قوات سوريا الديمقراطية، ولكن على الرغم من ذلك، بقيت (منبج) تحتل موقع الصدارة من الاهتمام بوصفها المدخل السلس والأمثل نحو مدينة كوباني والرقة وتل أبيض وباقي بلدات شرق الفرات ومدنه. لعلّ ارتجالية (ترامب) في اتخاذ قراراته، فضلاً عن الإبهام والغموض الذي أحاط بقرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، قد جعل الجميع متحفّزاً للدخول إلى منبج، ولعلّ في طليعة المتحفّزين نظام الأسد، الذي بدأ بحشد قواته حول المدينة من محورين، الأول من اتجاه الجنوب، وتحديداً من قرية (تل أسود) 20 كم عن مدينة منبج، وهي تشكل الحد الفاصل، أو نقاط التماس بين قوات النظام وقوات قسد. والثاني من بلدة (العريمة) 18 كم غرب مدينة منبج، علماً أن الوجود العسكري لقوات نظام الأسد في هذين المحورين ليس جديداً، بل يعود إلى شباط/ فبراير من عام 2017، حين طردت قوات درع الفرات تنظيم داعش من مدينة الباب، وخضعت المنطقة آنذاك لتموضعات عسكرية نتيجة التفاهم الذي حصل بين تركيا وروسيا، ولكن الجديد هو الحشودات الإضافية التي قام بها النظام، وترافقت مع صدور بيان عسكري رسمي أذاعه تلفزيون نظام الأسد يوم 28/12/2018، يؤكد فيه دخول قوات النظام إلى مدينة منبج، وتجدر الإشارة إلى أن صدور البيان المذكور تزامن مع قيام عدد محدود من الموالين لنظام الأسد في مدينة منبج بالتقاط بعض الصور الخاطفة وهم يرفعون أعلام النظام، في حين إن الواقع الميداني –آنذاك– لم يشهد أي تقدم لقوات النظام، وإنما كانت ثمة محاولة من جانب قوات الأسد لإسقاط المدينة إعلامياً فقط. ترك اللغط الإعلامي الذي أثاره بيان النظام ردات أفعال متعددة، لعل أبرزها ردة فعل واشنطن، إذ سارعت الدوريات الأمريكية في اليوم ذاته إلى الظهور المتعمد والتجوال على التخوم الغربية والجنوبية للمدينة، في رسالة واضحة لقوات الأسد بعدم السماح بتجاوز مناطق النفود المرسومة مسبقاً، وألمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في اليوم ذاته أيضاً، إلى أن ما تقوم به قوات الأسد لا يتجاوز الحرب النفسية على المواطنين.

  • الحاضر ورهانات المستقبل

تشير التموضعات العسكرية الراهنة في مدينة منبج، إلى حضور هو الأقوى للولايات المتحدة الأمريكية التي تحتفظ بقاعدتين مركزيتين عسكريتين، الأولى في ناحية (سد تشرين – 15 كم جنوب منبج)، والثانية بالقرب من قرية (عون الدادات – 12 كم شمال غرب منبج) أمّا داخل المدينة فإن القوة العسكرية الوحيدة الموجودة هي قوات سوريا الديمقراطية، الحليف للجانب الأمريكي، في حين يوجد الروس مع قوات النظام في بلدة العريمة، مكتفين بتسيير بعض دورياتهم الخجولة بين الحين والآخر. أما التخوم الشمالية الغربية للمدينة فإنها محاطة بحشود عسكرية كبيرة لفصائل درع الفرات التي تشرف عليها تركيا، وتمتد من مدينة جرابلس وحتى مدينة الباب، على امتداد ما يقارب 60 كم. وعلى الرغم من قرار ترامب بسحب قواته من سوريا، فإنه من المؤكد أن واشنطن لن تُخلي مدينة منبج إلّا بموجب تفاهمات مع الروس والأتراك على وجه الحصر، ولن يكون نظام الأسد صاحب أي قرار بدخول المدينة من عدمه. إلّا أن ثمة طرفين هما الأكثر انشغالاً وتأثراً بتداعيات القرار الأمريكي: الأول: هم سكان مدينة منبج الذين سنتيناً من سلطة تنظيم داعش (كانون ثاني/ يناير 2014 – آب/ أغسطس 2016)، ثم وقعت المدينة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية بعد طردها لداعش، والآن يشهدون تهديدات النظام باقتحام المدينة، الأمر الذي أوجد حالة من الخوف الشديد بين المواطنين، وما يسوغ هذا الخوف هو عدد من الحالات المماثلة التي شهدتها المدن والبلدات السورية (القصير – الريف الدمشقي – درعا)، حيث لم يتوان نظام الأسد –إبان دخوله إلى تلك البلدات والمدن- عن التنكيل بالمواطنين والانتقام العشوائي، فضلاً عن حملات الاعتقال والتشريد. وما يعزز مخاوف مواطني مدينة منبج هو مسارعة قوات سوريا الديمقراطية، من خلال مجلسها السياسي (مسد) لدعوة نظام الأسد إلى الحوار، ليس هذا فحسب، بل استعداها لتسليم كافة مناطق سيطرتها لقوات الأسد، إنْ هو ضمن لها إدارة ذاتية في شرق الفرات، الأمر الذي عزّز قناعة أهالي منبج بأن سلطة الأمر الواقع (قسد) لا مانع لديها من التماهي المطلق مع نظام الأسد إن تحققت لها بعض المكاسب، تاركةً –في الوقت ذاته– مدينة منبج وأهلها يواجهون مصيرهم الكارثي في مواجهة آلة البطش الأسدية. الثاني: على الرغم من المواقف الإعلامية الأمريكية التي تؤكد حرصها الشديد على سلامة حليفها المتمثل في قوات سوريا الديمقراطية، إلّا أن هذا الزخم الإعلامي لم يكن بمقدوره تبديد مخاوف قسد التي بدأت تشعر بحالة من (اليُتْم) الشديد، حيال انزياح المظلة الأمريكية من فوقها، ما جعلها في حالة من الارتباك الشديد، وفي سعي واضح لإيجاد مظلة جديدة تحول دون تلاشيها، ولعلّ المظلة الأقرب والأنسب –وفقاً لتوجهات قسد– كانت مظلة النظام الذي وجد الفرصة ملائمة لممارسة ضباطه الأمنيين عنجهياتهم كلها على معظم وفود قسد التي اجتمعوا بها. وجدير بالذكر أن قرار قسد باللجوء إلى نظام الأسد لم يكن نتيجة انعدام الخيارات الأخرى كما يتوهم بعضهم، بل هو خيار سابق يعود إلى عام 2011، وتجسّد في عدد من المواقف التي شهدت تنسيقاً عسكرياً ولوجستياً وأمنياً بين الطرفين. ولكن على الرغم من كل المحاولات التي يدفع بها حزب الاتحاد الديمقراطي تجاه سلطات دمشق، فإن نظام الأسد لم ينظر إليها إلى الآن سوى من منظوره الأمني فحسب، ذلك أننا لسنا بحاجة إلى تأكيد عقم نظام دمشق، ورفضه المطلق لأي شكل من أشكال المشاركة، ولا يملك في أفضل حالاته، سوى عملية الاحتواء الأمني التي غالباً ما ينكث بها، لينقض على خصومه من جديد. وفي الوقت الذي تعيش فيه مدينة منبج محاطة بالجيوش من جهاتها الأربع، من دون أن يعلم سكانها أيّ الجيوش سيطأ أرضها، تتطلع الأنظار إلى الدبلوماسية –التركية الأمريكية– بوصفها الأكثر إمساكاً واهتماماً وإحاطة بحاضر منبج ومستقبلها، تلك الدبلوماسية التي يحوطها كثير من الارتجال والغموض، بسبب قرارات ترامب (الزئبقية). وعلى الرغم من تأييد الجانبين –التركي والأمريكي– لإقامة منطقة آمنة بعمق 20 ميلاً، أي ما يزيد على 30 كم تقريباً، إلّا أن هذه الفكرة بالذات، وفي غياب الحديث عن أي تفاصيل، لا يمكن أن تنطوي على حلول مطمئنة، علماً أن فكرة إنشاء منطقة آمنة كما يجري طرحها الآن، تختلف كلّياً، من حيث الوظيفة والهدف، عن الغاية من طرحها عام 2015، حين كانت آنذاك مطلباً سورياً وتركياً معاً، الغاية منه حماية السوريين من طائرات نظام الأسد وبراميله المتفجرة، أما اليوم، فتريدها أمريكا أن تكون ملاذاً آمناً لقوات سوريا الديمقراطية، وضامناً لها من أي استهداف تركي. ولعل هذا ما يجعل المسألة أكثر غموضاً، وبخاصة في ظل غياب أي تفصيلات أخرى حول طبيعة هذه المنطقة المفترضة. فهل ستكون خريطة الطريق التي تضمنها اتفاق الرابع من حزيران/ يونيو بين تركيا وأمريكا مقروناً تطبيقها بتفاهم الجانبين حول المنطقة الآمنة؟ أم أن ملف (منبج) سيبقى محافظاً على استقلال مساره؟. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى