fbpx

نظرة في الأمن الاجتماعي للبيئات المتضررة مِـن داعش بعد نهايته الجغرافيّة

إن النهاية الجغرافيّة لا تعني النهايّة الفكريّة أو حتى التنظيميّة كون الأيديولوجيا الشريرة التي بنى عليها داعش وأشباهه مسوغات وجوده لم تنتهِ بعد، لهذا يكون العمل على إعادة إنتاج البيئات الإنسانيّة المتضررة مِـن الإرهاب في مناحٍ عدّة منها سياسي وأمني واقتصادي وبيئي واجتماعي، ويمكن اختزال كلّ ما سبق بمصطلح الأمن الاجتماعي الذي بات سمة المجتمعات المتقدّمة، الطاردة للتطرف بوصفه حالة شاذة نقيضة للحالة الطبيعيّة الآدميّة للبيئات المذكورة. الأمن الاجتماعي: (هو حالة سلام داخلي تدخله البيئة الإنسانيّة المكوّنة لِـمجتمع ما، ضمن استقرار حقيقي يسمح بنشاط مثمر في البنى الفكريّة والعمرانيّة لهذا المجتمع، وينقله إلى واقع متجدد ومتطوّر ضمن قفزات حضاريّة واسعة)، وهو تماماً ما تحتاج إليه أيّ بيئة اجتماعيّة لتنتقل مِـن حالة الثبات العنيف الذي تفرضه القوى المتطرفة، إلى حالة السلام المستقر ضمن مفهوم أوسع هو الأمن الاجتماعي، وعليه يكون هذا الانتقال بحاجة إلى مقومات وبدائل، ونشاط يمنح الأجهزة المدنيّة كَمؤسسات الإدارة السياسيّة والخدمات، والأجهزة العسكريّة ممثلة بِالجيش والشرطة، والأجهزة شبه العسكريّة الاستخباراتيّة والأمنيّة القدرة على إعادة تكوين بيئة اجتماعيّة مسالمة متماسكة وقادرة على تفكيك الأفكار والقدرات اللوجستيّة لأي تشكيل متطرف.

  • خطوات عزل البيئات المتطرّفة وتفكيكها ومنعها من العودة إلى الحياة

بعض النظريات الأمنيّة تؤكّد أنّ السيكولوجيّة البشريّة تحمل في دواخلها بذور العنف، لهذا يجب السيطرة عليها إمّا بالالتزام الداخلي للإنسان، أو المتابعة مِـن المجتمع، خصوصاً مجتمعات الشرق الأوسط التي انتقلت من سلطة القائد الأوحد والزعيم الذي يمارس سلوك (نصف آلهة) إلى سلطة اللاهوت والحكم باسم الدين التي مثلتها التيارات المتطرفة، ومن هنا تأتي خطوات مكافحة عودة التنظيمات المتطرفة التي يشكّل داعش وجهها الأقبح والأكثر شهرة. في الأهداف نحو صناعة مشروع يُعنى بِـمكافحة التطرّف والإرهاب، تُلحَظ النظريات الأمنيّة والاستخباريّة جميعها ومنها ما يؤكّد أنّ التنظيمات المتطرفة يمكن تجميدها وعزلها فقط، ولا يمكن القضاء عليها مطلقاً، لهذا يكون العمل على خطّة مستدامة قادرة على مراقبة التطرف وتطويقه وعزله وبخاصة في كل مجتمع بحيث تُراعي خصائصه وقدراته، ومدى تضرره مِـن التطرف، وهنا تكون المجتمعات شرق الأوسطيّة المتضررة من داعش ضمن الخط العلاجي السابق ووفق الرؤية المقترحة الآتية:

  1. بناء منظومة أمنيّة خاضعة لِـ رقابة الدستور وسلطته ضمن ضوابط القانون الإنساني الدولي: لأنّ غياب منظومة الحوكمة والمتابعة القانونيّة للأنظمة الحاكمة، وأجهزتها السياديّة العنيفة وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والدفاعيّة التي تمّثل بيئة صالحة لاستقبال التطرف وتفريخه، وهنا تكمن أهميّة العمل على محاكاة نموذج مؤسسات قانونيّة ذات سلطة سياديّة تهتم بتسريح التشكيلات العسكريّة وشبه العسكريّة الأمنية الاستخباراتيّة والدفاعيّة المساهمة في تصعيد العنف في الدول المتضررة بالنزاعات ودمجها.
  2. تطوير منظومة العمل التفاعلي التربوي: إيجاد بيئة تعليميّة حديثة وبرامج تُعنى بِالأطفال المتسربين من المدارس والمعرضين للسيطرة والاستخدام من قبل التنظيمات المتطرفة، وحمايتهم أسرياً وتعليمياً بوساطة بيئة آمنة متكاملة تهتم بالأسرة والطفل.
  3. تفعيل جانبي الاستقرار الاجتماعي الأسري: وهما أولاً الجانب السكني وثانياً الأمن الغذائي، عبر مسح المناطق المتضررة بِـ فرق محليّة على الأرض تعمل على جمع البيانات والمعطيات، وتقديم الحلول والحاجات المتعلقة بتثبيت الأمن الاجتماعي والتكوني للمجتمعات المستهدفة بالنشاط.
  4. تعزيز مفهوم تمكين المرأة: ودعم فاعليتها وحضورها في المجتمعات المغلقة والمتضررة بالحروب وبسياسات الأنظمة القمعيّة، وهذه ضرورة وجوديّة لِـهزيمة النهج الشاذ المتطرف، وتتطلب استراتيجية محليّة واعية تنظر إلى بناء المرأة بوصفه ـسلاحاً ناعماً مضاداً لسياسات التطرف الفاعلة في تفكيك المجتمعات.
  5. التأمين والمحافظة على مكان الأقليات وتموضعها: وزيادة حضورهم في المحافل المحليّة للوصول إلى أداء يؤمِّن استقرار المكونات المُشكلة للمجتمعات المتضررة بالنزاعات كلها وسيادتها.
  6. تعزيز علاقة الدولة بالمجتمع: وهذا لا يحدث من دون القضاء على أشكال الاستبداد، ومخرجاته من تشكيلات وميليشيات عاملة في النطاق الأمني والعسكري، أو المافيات الناشطة في مجال الاستثمار الخدمي المعيشي المتعلق بأولويات الحياة الآدميّة من مياه وكهرباء، وصحّة، وطرق.

وبهذا يمكن للإقليم والعالم أن يُنهي حالة الرُهاب والتشويش الناجمة عن حرف مقصود أو غير مقصود لِـ بوصلة الحرب على الإرهاب، ونقل معركتها مِـن ساحة الدم والانتقام، إلى ساحة الاستثمار الآمِن المُستدام في المجتمعات شرق الأوسطيّة بما تشكّله كَجزءٍ مهمٍ وعميقٍ واستراتيجي في منظومة الاستقرار والسلام الدوليين. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى