fbpx

نواة المجتمع السوري وتصدّعات السلم والحرب

منذ بداية تشكّل المجتمعات كانت الأسرة اللُبنة الأولى في بنائها، واكتسبت أهميتها الخاصة لأنها أحد الأنظمة الاجتماعية التي يعتمد عليها المجتمع مادياً ومعنوياً، ضمن علاقة فيها كثير من التعاون والتفاعل المتبادل، فالأسرة تزوّد المجتمعات بأعضاء جدد وتعمل على إعدادهم للتفاعل المجتمعي وتكييف هذا التفاعل وضبطه على النحو الذي يتوافق مع قيم المجتمع ومثله ومعاييره، وبدوره تقع على المجتمع (الدولة والمؤسسات) توفير المناخ الملائم لتكوين الأسرة السليمة، وترسيخ مفهومات صحيّة تنشأ الأسرة ضمنها. لعل الحديث عن الدور المهم والرئيس الذي تلعبه الأسرة، بوصفها المؤثّر الأول في عملية تكوين الفرد كخطوة أساسية لبناء دعائم متينة ومنيعة لمجتمع متماسك يرقى بأفراده نحو نمط حياة متحضّر وحداثيّ، لا جدال على صحّته، بل صار إحدى المُسلّمات التي يفترضها الجميع، والمشكلة الأساسية تكمن بارتفاع يقيننا حول صحّة هذه المُسلّمة وجعلها كافية لكفّ البحث عن المشكلات المتغلغلة في بناء الأسرة والتصدّعات التي تشوب التفاعل بين الأسرة والمجتمع الذي يحكمه الأمر الواقع. فالدور المطلوب من الأسرة لرفدها المجتمع بأفراد (مواطنين) محبّين ومحترمين لمجتمعهم ولقيمه -يقومون بواجبهم لخدمة مصالحه، مدركين حقوقهم عليه- بقي منقوصاً، مثلما هو الحال حول حقّ الأسرة في التمتّع بحماية المجتمع والدولة والمؤسسات الذي دعت إليه الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية والوطنية كافة، فواجبهم في حماية الأسرة والمساهمة في تأمين المناخ الملائم لتكوين الأسرة السليمة والفاعلة بقيت منقوصة هي الأخرى. اتخذت الأسرة على مرّ العصور حيّزاً مهماً من اهتمام المجتمعات والدول، بصفتها الوحدة الطبيعية الأساسية والمتلقّي الأوّل للمحيط والمتفاعل والمنفعل الأساسي بمعطيات الواقع المحيطة، وأهمّ النوى التي تعكس بنية المجتمعات بعامّة، وتساهم في فهم طبيعة المجتمع القائمة فيه. فمعظم المشكلات الاجتماعية ‏وحلولها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأسرة، ولا يمكن التصدي لها من دون أن نبحث في مشكلات الأسرة ونقوّمها. فهذا المجتمع المصغّر تنعكس فيه مشكلات العصر وتتفاعل داخله كافّة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتأزّمة التي تجعلها راضخة لسلاسل كبيرة من أزمات تمنعها من أخذ دورها الفعلي في محاولة التأثير بدل التأثّر، وتدفعها إلى الاندماج في قيم المجتمع حتى السلبية منها، وأكثر من ذلك فهي ترفده بأفراد حاملين لهذه القيم ومعزّزين لبقائها، لينتجوا معاً حلقة مغلقة من التفاعل السلبي الذي يشدّ بعضه بعضاً، ويجعل الأسرة بوصفها ابنة بيئتها وانعكاساً لها مساهمة في تعميق الصدع في المناحي كافة. وأهمها: أولاً: تكريس علاقات التسلّط والرضوخ التي يعانيها الأفراد، فتحكم الأب المستمد من النظام العشائري الديني أعطاه سلطة مطلقة داخل الأسرة، تنتقل إلى الأبناء، سلطة الكبير على الصغير، وسلطة الذكور على الإناث، ليجري ترسيخها في علاقة المدرّس بالتلاميذ، والرئيس بالمرؤوس، وصولاً إلى علاقة الاستبداد بين الحاكم والمحكوم كطريقة لإدارة شؤون الناس. فعلاقة التسلط تنتقل من المنزل إلى الخارج لتخضع لمعايير مختلفة ثقافية أو اقتصادية أو سياسية ويصير الخارج متسلطاً في الداخل لتتعزّز مسيرة الانكفاء عن الفعل ورفع احتمالات العنف بين الأفراد بكافة تجلّياته. فالمناخ المشبع بالقمع والتهميش يقدّم أفراداً عاجزين عن تقديم المبادرات والنهوض بواقعهم، وزيادة العجز عن الفعل والشعور بالقهر يرافقه ردات فعل مختلفة للتعبير عن انفعالات مكبوتة تصل حدّ العنف، خصوصاً إذا كان الفرد يعيش داخل أسرة يمارس فيها ذلك، وهذا يشكّل شبه قاعدة في مجتمعاتنا في العنف ضدّ النساء الذي لا يجد رادعاً قانونياً أو فكرياً يتصدّى له ويكسر طوقه، فالأولاد يتّخذون من مسيرة آبائهم سبيلاً للاقتداء والاقتباس، إذ على الرغم مما فقدته الأسرة من دورها في التنشئة نتيجة وجود أركان أخرى تساهم في تنشئة الفرد لكن الانعكاسات العامة والتوجّهات بقيت لزاماً على الأسرة في ظل بيئة خالية من المؤسسات كالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام وغيرها، القادرة على تعديل المسار وإعادة التوازن في دول لم تؤهّلها مسيرتها لخوض قفزات نوعية وتطورات حياتية تنتج جيلاً جديداً من العلاقات والمفهومات لكسر حلقة التسلّط، ووجوب الظهور القوي للأحزاب والمجالس النيابية وأشكال القيادات ومراكز القرار اللازمة لإدارة شؤون المجتمع والدولة. ثانياً: إن وجود الأسرة بوصفها نواة في صلب المجتمع والدولة، وعدم قيام الدولة بتلبية احتياجات المواطنين وتأمين مستلزماتهم الأولية وندرة فرص العمل يضع هذه الأسرة أمام هموم اقتصادية خانقة، تجعلها قابلة للتماهي في العلاقات التي فرضتها بنية المجتمع القائمة في عمومها على الانتهازية والاستغلال والفساد، وعدم تقدير الأسرة لزيادة النسل وما ينتج منه من تخريب لخطط التنمية طويلة الأجل، وتردّي الوضع الاقتصادي الذي يجري إدراجه بالعموم في سياق الازدياد السكاني، الناتج من رفض كثير من الأسر الامتثال إلى تنظيم النسل لأنه مخالف لمقاصد الزواج ويتنافى مع الأعراف والتقاليد، لكنه لا ينفي دور الدولة في إيجاد الحلول الملائمة التي توازن بين الأعراف والتقاليد والشرائع الدينية والقوانين الوضعية بالتعاون مع المؤسسات الاجتماعية ومراكز الدراسات والنخب المثقفة ورجال الدين، لضبط الانعكاسات السلبية الناتجة من الازدياد السكاني وانعكاساته السلبية على زيادة عدد الأسر الفقيرة، وأول المتضررين منها هم الأبناء، إذ تبدأ كوارثهم مع عمالة الأطفال، وعدم حصولهم على التعليم الكافي وانتشار الأمية والجهل، ولا تنتهي في سلوك المسالك غير الشرعية لتأمين الحياة كالنصب والاحتيال والتسوّل والتهريب، في محاولة لخلق عمل بديل يكون وسيلة للعيش والاستمرار. فهذه الأسر الفقيرة على اختلافها تعيش على هامش المجتمع ولا تتلقى المعونة اللازمة من الدولة التي يعدّ واحداً من أهمّ أولوياتها حماية الأسرة بوصفها ركيزة أساسية في المجتمع وتأمين مصالح هذا المجتمع. ثالثاً: التأثير المباشر وغير المباشر لشكل السلطة السياسي وتجلّياتها سيكون حاضنه الأساسي هو الأسرة. فمن جهة ساهم الشكل الهرمي الصارم للسلطة السياسية وعبر مدد طويلة في ترسيخ فكرة البناء الهرمي الصارم أيضاً داخل الأسرة، ومن جهة أخرى ساهم التسلط والرضوخ المنتشر داخل الأسرة في تعزيز روح الإذعان التي ستنعكس على الحياة السياسية. فيصبح من الطبيعي للفرد أن يتقبّل أي نظام تسلّطي، بحكم العادة والتعوّد. التقاطعات العميقة بين الأب القائد للمجتمع والأب القائد للأسرة صارت أمراً واقعاً أنتج ثقافة الرأي الأوحد والأكمل، وأسقط مفهوم التعددية الحقيقية بغياب مطلق لكل أشكال ممارسة الديمقراطية وحرية الرأي، في الخارج (الدولة) وفي الداخل (الأسرة والمجتمع) أركان هذه الدولة، معزّزا حالة العقم السياسي لدى الأفراد وعقم الحوار بينهم، وتقبّل وجود من يتّخذ القرارات نيابة عنهم في المجال السياسي، ومن ثم القبول بوجود أي نظام تسلّطي على أنه أمر يتفق مع طبيعة الأشياء في مجتمعهم، بغض النظر عن مشاعرهم تجاه هذا النظام، وعادة ما تكون مشاعر سلبية مشوبة بالكراهية وعدم القبول لهذا النظام، يصاحبها إحساس بالعجز عن فعل أي شئ تجاه النظام أو تغيير سياساته. تصدّعات الأسرة التي لم تجد لها حلولاً في حالة السلم، جرت مراكمتها وزيادة تداعياتها مع الحرب وانعكاساتها. فالحروب لا تقتصر مفعولاتها على كثرة الضحايا والدمار وما يرافقها من نزوح ولجوء وتشرد وإعاقة بدنية ونفسية وعمّا سيتبعه من حالات الترمّل واليتم، وتعميم حالات الفقر والبطالة، إنما تمتدّ لتصل نحو دمار المجتمعات وتفكيك عمقها، وهدم لبناتها الأولى من الأسرة إلى الأفراد. فحجم المشكلات السياسية والاقتصادية المضافة إلى المناخ السائد المتصدّع أسرياً، جعلت ما كان نادراً أو محدوداً في أيام السلم يصير حالة مقبولة وواسعة في الحرب. كتفاقم ظاهرة الطلاق وازدياد نسبة العنوسة بين النساء وتنامى ظاهرة زواج القاصرات وعودة الأمية من بابها الأوسع، فضلاً عن تفشّي ظاهرة الدعارة بين النساء لتأمين الحياة، وانتشار ظاهرة المخدّرات بين الشباب السوري.  وغيرها من المشكلات المدمِّرة الضاربة في عمق المجتمع التي ستمتدّ أجيالاً لاحقة وعشرات السنين إن لم يجرِ البحث عن سبل علاجها بالشكل الصحيح. مساهمة الأسرة في إعادة إنتاج أنماط علاقات مشوّهة سائدة في المجتمع، بسبب تشابك  اجتماعية وثقافية واقتصادية فرضها شكل نظام سياسي مهيمن على المجتمع، يجعل الحديث عن دور الأسرة بوصفها ركيزة في النسيج الاجتماعي المتين بعيداً عن الكشف الصريح هو ابتعاد عن وضع الحلول لإعادة تأهيل دور هذه الخلية الصغرى والأهمّ وتفعيله في المجتمع. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى