fbpx

الائتلاف الوطني السوري هل انتهى من مرحلة التجريب والتدريب؟

مع اقتراب الدورة 45 للائتلاف الوطني السوري، المزمع عقدها في مطلع شهر آيار/مايو القادم، لابدّ من مراجعة سريعة عن أسباب الحالة المتردّية التي وصل إليها بعد تعاقب ثمانية رؤساء على مدى نحو ستّة أعوام ونصف من تشكيله، في ظل غياب نصوص قانونيّة في نظامه الأساسي، تضمن تحقيق أدنى شروط الديمقراطيّة وتداول السلطة التي نادت بها الثورة السوريّة منذ اليوم الأوّل لانطلاقته. لا يخفى على المتابع عمل الائتلاف الوطني منذ انطلاقته في 11 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2012 أنّه تشكّل من مجموعة كتل تتبع لمؤسّسات وتيّارات مدنيّة وسياسيّة وعسكريّة، كان للمجلس الوطني السوري الحصّة الأكبر فيه، إذ حصد 22 مقعداً من أصل 63 قبل أن يصل عدد المقاعد إلى 123 مقعداً، بعد توسعته بضم كتلة المكوّن الكردي وكتلتي الأركان والحراك الثوري وكتل أخرى عام 2013. هذه المؤسّسات والتيّارات التي تشكّل منها الائتلاف الوطني، وكانت فاعلة في الملف السوري، أو يعتبرها المجتمع الدولي كذلك، لم يعد لها اليوم أيّ وجود، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يعد للمجلس الوطني دور أو وجود حالياً، والمجالس المحليّة اقتصر عملها على منطقة ريف حلب الشمالي، بعد سيطرة النظام وقوّات سوريا الديمقراطيّة على معظم المناطق التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة، وسيطرة هيئة تحرير الشام على مدينة إدلب، ومع ذلك مازال ممثّلو تلك المؤسسات أعضاء في الائتلاف الوطني، فأصبح من الصعب –إن لم يكن مستحيلاً- تغيير أي عضو في الائتلاف الوطني بسبب عدم وجود المؤسسة الممثّل عنها من جهة، وغياب نص قانوني واضح في النظام الأساسي يحدّد مدّة عضويّة الائتلاف، ممّا يجيز لأي عضو البقاء فيه “إلى الأبد”، لاسيما أنّ عضويّة الائتلاف الوطني كانت تتم وفق آليّة أقرب إلى التعيين من الانتخاب. إنّ مبادرة المعارضين برهان غليون ورياض حجاب التي قدّماها للائتلاف الوطني نهاية عام 2014، التي تضمّنت إلغاء التكتّلات داخل الائتلاف، واعتماد آليّة التصويت الفردي على أيّ قرار بدل التصويت بناء على تحالفات وتوازنات الكتل المكوّنة له، وتغيير ثلث أعضاء الائتلاف في كلّ دورة انتخابيّة له بهدف ضخّ دماء جديدة فاعلة فيه، كانت كفيلة بحلّ كلّ تلك المشكلات، والخروج من أزمة الثقة التي نشأت بين الائتلاف الوطني كمؤسّسة سياسيّة تقود المعارضة السوريّة وبين جمهور الثورة الذي لم يعد يراها كذلك، لو تعامل معها جهابذة الائتلاف بجديّة بدل إهمالها وعدم التعامل معها بجديّة. في تك الفترة كان “أحمد الجربا” و”مصطفى الصبّاغ” يدركان أنّ الهدف الأساسي من تشكيل الائتلاف الوطني، هو تشكيل حكومة معارضة تحظى باعتراف دولي، من أجل إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، والتي كانت تشكّل نحو ثلثي مساحة سوريا، لذلك احتدم الصراع بينهما، ولعلّ أهمّ أسبابه رغبة كلّ منهما بالاستحواذ عليها، إذ إنّ الصباغ الذي يقود كتلة المجالس المحليّة يعتبر نفسه الأحقّ في ذلك، بينما يرى “الجربا” أنّ طموحه في قيادة المعارضة –وربّما سوريا- لن يتحقّق إن لم يسيطر على تلك المؤسّسة، فتعامل “الجربا” مع المسألة بمنطق شيخ العشيرة، فأعطى وأغدق لكسب المزيد من الولاءات، بينما كان الصبّاغ أكثر حنكة، وسبقه بخطوة عندما ساهم بوضع مادّة في النظام الأساسي للائتلاف الوطني تحّدد شروط الترشّح للحكومة السوريّة المعارضة، تتلاءم مع مواصفات مرشّحه لرئيس الحكومة “غسّان هيتو”. وعلى الرغم من أنّ المادّة الثالثة عشر من النظام الداخلي للائتلاف الوطني السوري حدّدت شروط عضويّة الائتلاف  بأن لايقل عمر عضو الائتلاف -الذي من الممكن ان يصبح رئيسه أو أمينه العام- عن 22 عاماً، دون ذكر أي شروط أخرى سوى الكفاءة السياسيّة أو التخصّصيّة، إلا أنّ المادّة الخاصّة بشروط الترشّح لرئاسة الحكومة اشترطت أن لا يقل عمر المرشّح عن 40 عاماً وعمر الوزراء عن 35 عاما، ممّا تسبّب بتهميش واستبعاد شريحة كبيرة من أبناء الثورة ذوي الكفاءات التي لا تمكّنهم من قيادة حكومة معارضة فحسب، بل تمكّنهم من إدارة دولة. هذا التضارب بين هاتين المادّتين في النظام الأساسي للائتلاف الوطني، سمحت بشكل أو بآخر أن من ينتخب رئيساً للائتلاف الوطني لا يحمل أي مؤهّل علمي أو خبرة إداريّة، ويصبح  مسؤولاً عن رئيس حكومة ووزراء ومؤسسات في مناطق تبلغ مساحتها نحو ثلثي مساحة سوريا. كان شهر آذار/ مارس من عام 2016 علامة فارقة في الائتلاف الوطني، إذ طويت فيه صفحة خلافات وانقسامات امتدّت منذ تولّي “معاذ الخطيب” رئاسة الائتلاف” في شهر كانون الأوّل/نوفمبر من عام 2011 وحتّى نهاية ولاية خالد خوجة وانتخاب العبدة خلفاً له في 5 آذار/مارس من عام 2016، إذ يحسب له إنهاء جميع الخلافات ومسبّباتها بين مكوّنات الائتلاف، وعلى رأسها حكومة ” أحمد طعمة” الثانية، التي كانت أحد أكبر أسباب المشكلات بين تلك المكوّنات، لكن في الوقت الذي اتّسمت فيه فترة رئاسة العبدة بالهدوء بعد حل أغلب المشكلات الداخليّة في الائتلاف الوطني، اتّسمت أيضاً بعدم تحقيق أيّ إنجاز للثورة السوريّة، لا على الصعيد الدولي ولا على الصعيد الداخلي، وعلى العكس من ذلك، فقد شهدت الساحة السوريّة تراجعاً في مناطق سيطرتها وسقوط مدينة حلب التي لم تتمكّن المعارضة السوريّة من الحفاظ عليها أو الدخول في مفاوضات تضمن بقاءها بيد المعارضة، فضلاً عن تعثر وتراجع في مفاوضات جنيف لصالح نظام الأسد. لم تدم حالة الاستقرار طويلاً، فبعد انتهاء فترة رئاسة “العبدة” وتولّي “رياض سيف” رئاسة الائتلاف الوطني، ظهرت مجموعة أطلق عليها اسم “G4” تضمّ رئيس الائتلاف السابق “أنس العبدة” ورئيس الائتلاف الأسبق “هادي البحرة” إضافة لعضو الائتلاف “بدر جاموس” وعضو الائتلاف “عبد الأحد اسطيفو” لتتحالف مع الكتلة الكرديّة فيصبح قوامها 20 صوتاً، وتتحكّم في أيّ قرار للائتلاف الوطني من خلال تلك الأصوات، كاشتراطهم تجاوز القانون الذي يحظر على رئيس الحكومة أن يكون عضواً في الائتلاف الوطني، لتضمن عودة مرشحها “أنس العبدة” إلى الائتلاف الوطني إن لم ينجح بانتخابات رئيس الحكومة المؤقّتة خلفاً لـ”أبو حطب” في أيار المقبل . إذاً أمام الائتلاف الوطني مهمّة صعبة تحتاج إلى خطوات عمليّة جادّة وقرار جريء من شأنه إعادة الثقة بينه وبين جمهور الثورة والمعارضة، وإعادة هيبة المعارضة أمام المجتمع الدولي والدول الفاعلة في الملف السوري، بدل أن يكون ائتلاف تجريب وتدريب، وتلك الخطوات تتلخّص في أربع نقاط. النقطة الأولى: يجب على الائتلاف الوطني أن يعيد كتابة القانون الأساسي الناظم لعمل الائتلاف، عبر خبراء في هذا المجال لا يكونون أعضاء فيه  لضمان عدم تغليب المصلحة الشخصيّة على المصلحة الوطنيّة، على أن يحدّد هذا القانون مهام أعضاء الائتلاف ويضمن تداول السلطة بدل تبادلها، من خلال تحديد مدّة ولاية كلّ عضو فيه. النقطة الثانية: إعادة هيكلة الائتلاف الوطني واستبدال ممثلي المؤسسات غير الفاعلة أو التي لم يعد لها وجود مطلقاً كالمجلس الوطني والتجمع الوطني الحر للعاملين بالدولة وغيرها من تلك المؤسسات والتيارات السياسيّة الأخرى بالمؤسّسات الفاعلة من المجتمع المدني والنقابات والاتّحادات الموجودة داخل سوريا وخارجها، إضافة للشخصيات الوطنيّة المقبولة شعبيّا ودولياً، وإلغاء كتلتي المجالس المحليّة والفصائل وحصر عملهما بوزارتي الإدارة المحليّة والدفاع. النقطة الثالثة: إيجاد آليّة انتخابات حقيقية تضمن مشاركة أكبر شريحة من السوريين في إعطاء صوتهم لمن يمثّلهم بدل اعتماد آليّة التعيين من قبل المتنفذين في الائتلاف، وفي هذا تحقيق لأهم مطالب الثورة السوريّة بالوصول إلى الديمقراطيّة التي نادت بها الثورة السوريّة منذ انطلاقتها. النقطة الرابعة: انطلاقاً من مبدأ الشفافيّة يتوجّب على الائتلاف الوطني نشر تقارير ماليّة بشكل دوري عن موازنة الائتلاف وكيف يتم صرف الأموال، فضلاً عن نشر برنامج عمله وخططه الاستراتيجيّة والمدّة الزمنيّة لكلّ منها ونسبة تحقيق الإنجازات، لضمان المساءلة عن أي خلل أو تقصير يحصل. فهل يسمع الائتلاف أو يشعر؟؟؟ نشك كثيراً في ذلك. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى