سرمدا المنطقة الحرة للمحرر أم السوق السوداء للنظام

سرمدا خلال سنوات الانتفاضة السورية ظهرت بلدة «سرمدا»، شمال غرب سورية كمنطقة تجارة حرة، يباع ويشترى فيها كل شيء، من الأغذية إلى البضائع التجارية مرورا بالسيارات الجديدة والمستعملة. المنطقة الحرة في سرمدا تحظى باهتمام بالغ من قبل كل المواطنين في المحرر، وغيره فلا تكاد تجد شخص إلا وذهب إليها او سمع بها، فمن يريد أن يذهب إلى تركيا عبر باب الهوى او عبر مناطق التهريب سيعبر منها، وكيف لا وهي صلة الوصل بين كافة أراضي المحرر. تبدو سرمدا وكأنها ليست من سورية لا حاضراً ولا ماضياً، فهي لا تشبه محيطها الذي أنهكته الحرب، كما أنها في الوقت ذاته تعتبر مركزاً لتوريد مختلف أنواع السلع إلى الداخل السوري. هذه لا يعني إن سرمدا لا تعيش أجواء الحرب نهائيا، فهي تتعرض بين الفينة والاخرى إلى حالة خطف وقتل ودهم من مجهولين ومن بعض الفصائل، فتارة يخطف رجل أعمال مقابل فدية وتارة يعتقل ناشط من أجل كلمة، ولكنها تبقى مقصد التجار للحاجة الماسة لبضائعها. سرمدا التي يعني اسمها «الأزلي»، تقع على بعد 30 كيلومتراً من مدينة ادلب، وعلى مقربة من باب الهوى على الحدود السورية التركية وكانت على مراحل التاريخ مركزاً تجارياً هاماً جعلها قبلة للتجار والمستثمرين، نظراً لموقعها الجغرافي الهام جداً ودورها الاقتصادي.. كان عدد سكانها يبلغ حوالي 15000 نسمة حسب إحصائيات تمت قبل الانتفاضة بثلاث سنوات. قسم لا بأس به من سكانها يعمل في مركز باب الهوى الحدودي. ولم يكن لها ذلك النشاط الاقتصادي اللافت في ذلك الوقت. إلا أنها بعد الانتفاضة ازدهرت اقتصادياً وعمرانياً بشكل سريع والآن يبلغ عدد سكانها بحسب المجلس المحلي 150000نسمة سرمدا السوق الحرة للمحرر بعد تحرير معبر باب الهوى سهلت تركيا دخول البضائع التجارية والأغذية وبدون جمارك، شجع ذلك التجار وخصوصاً المقيمين في سرمدا على استيراد مواد جديدة على السوق السوري المحلي، وتطور الامر الى استيراد مواد تجارية من الصين مباشرة عبر تركيا وبدون جمارك تفرض، وشرع التجار ببناء المحال التجارية في سرمدا حيث بدت البلدة بالإزهار والنماء، وأصبحت سرمدا مقصدا للتجار من كافة الأراضي المحررة تباع فيها المواد القادمة من تركيا، كالمواد الغذائية والمواد الصناعية والمواد الكهربائية وقطع صيانة الأليات والسيارات. وفي منصف عام 2013 بدا التجار باستيراد السيارات الأوربية عبر حاويات تعبر تركيا، وبٌدأ بإنشاء معارض السيارات الغير مجمرك وبأنواع جديدة على السوق المحلي، وبأسعار رخيصة نسبياً وغدت سرمدا سوقاً حرة للمحرر بأكمله، تشتري منها وتبيع، كل ما تطلبه إن كان موجودا تأخذه، وإن لم يكن يجلب لك من تركيا أو دولة في العالم عبر تركيا. سرمدا السوق السوداء للنظام لم تقتصر تجارة سرمدا على المناطق المحرر فقط، بل وصلت لأن تكون سوقا لكافة مناطق النظام ومناطق الأكراد شرق الفرات حيث يتم شحن البضائع من سرمدا مرورا بالمحرر وعبر معابر عدة معلنة وغير معلنة، لتنتقل إلى مناطق النظام في حمص ودمشق وحتى درعا وذلك عبر منطقتي قلعة المضيق ومورك وأبو دالي سابقا، وتنقل البضائع التركية على مناطق الفرات عبر منبج وخطوط عسكرية سرية. وتعتبر الألبسة التركية والقطع الإلكترونية والمواد الصناعية اهم ما يُصدر إلى تلك المناطق، وتشكل البضائع الصينية القادمة إلى المحرر محط اهتمام لدى التجار في مناطق سيطرة النظام حيث يعتبر سعرها الرخيص نسبيا وذلك مقارنة في حال نقلها عبر ميناء طرطوس الذي يفرض رسوم باهظة حافزاً لنقلها من السوق السوداء في سرمدا واهم تلك البضائع القطع الكهربائية وقد ألتقينا ب وهو تاجر يعمل منذ عام 2013 في التجارة الحرة في سرمدا: أن البضائع التي تصل إلى سرمدا تنقل وبكل سلاسة إلى مناطق النظام، حيث كانت تنقل في بداية الأمر الى ريف حمص الشمالي المحرر(الحولة) عبر طريق عسكري يدفع لضباط في جيش النظام مبالغ مالية، مقابل تامين الحماية وبدأت بالانتشار، وأكد أن تجار يتبعون لحزب الله نقلوا ولمدة 6 شهور بضائع من سرمدا إلى الداخل اللبناني عبر طرق عسكرية خاصة وكانت تتركز تجارة على الهداية وقطع الألعاب غالية الثمن في لبنان نظرا للضرائب التي كانت مفروضة بينما البضائع التركي تصل بربع القيمة. وأضاف أن السنة الفائت قام التجار بنقل الأدوات الكهربائية بكميات كبيرة من سرمدا إلى مناطق النظام وذلك عبر معبر مورك وقلعة المضيق حيث كان يفرض على كل سيارة مبالغ تصل أحيانا إلى 2000دولار امريكي للبضائع أما سيارات التي تحمل الغرانيت ومواد البناء فقد فرض عليها من معبر مورك 1500دولار أمريكي على كل سيارة. تجارة الخردة من المسروقة من منشآت المحرر لم يقتصر الامر على نقل البضائع إلى مناطق النظام فقد راج مؤخرا في سرمدا مكاتب لشحن البضائع المسروقة من المنشآت الحكومية كقطع السكك الحديدية ومحطات الكهرباء وتوليد الطاقة في زيزون حيث فتحت مكاتب لشرائها من الداخل المحرر وترحيلها إلى مناطق النظام، حيث تباع هناك حيث ألتقينا ب ….. وهو تاجر آخر وقال لنا: أنا كنت شاهد على شراء أنابيب ضخ البترول التي كانت تعبر من حلب باتجاه حماة حيث قامت ورشات بالحفر على خط البترول وقرب سراقب واستخراج حوالي 20كم منه وتجمعيه في ساحة باب الهوى القديمة في سرمدا وتم تحميله بشاحنات كبيرة وإرساله إلى تجار في النظام عبر معبر منبج وعبر معبر العيس وأضاف ان خطوط البترول ليست الوحيدة بل أن السكك الحديدة يتم صهر حديدها في معامل خاصة في المحرر وتجمع في سرمدا حيث السوق السوداء لها وتشحن إلى النظام بالأشكال التي يتم طلبها منهم. حيث انتشرت قبل عام ظاهرة فك السكك الحديدة وعملت ورشات على فك سكة القطار القادمة من حلب إلى اللاذقية حيث تم تفك نسبة75% من السكة وبدا العمل في بداية الامر في منطقة جسر الشغور واستمر الى منطقة بشمارون حتى وصل إلى ريف حلب الجنوبي، وبحسب بعض التجار العاملين في تجارة الحديد قال :بأن حديد السكك نقل قسم منه عبر معبر مورك إلى مناطق النظام وتم بيعه لتجار مختصين وقسم آخر أنشأ له معامل خاصة للصهر احد هذه المعامل قرب بلدة تفتناز حيث يتم صهر الحديد وتحويله إلى حديد للبناء وعدة أشكال أخرى يباع قسم منها في المنطقة المحرر عبر التجار وقسم الآخر ينقل إلى مناطق سيطرة النظام . في الشمال المحرر لا تكاد تخلوا قرية من ورشة لسرقة كبال النحاس والمعدن من أعمدة الكهرباء المنتشرة في الطرقات وأشرط خطوط الهاتف فبعد انقطاع الكهرباء عن المحرر وبقيت الأعمدة بدون كهرباء هرعت ورشات مجهولة تعود بعضها للفصائل المسلحة بسرقة الأكبال وبشكل منتظم حتى تعطلت معظم شبكات الكهرباء إضافة إلى ذلك أكبال الهواتف الأرضية التي كانت منتشرة لم يبقى منها إلا الجزء القليل وخصوصا في المناطق التي لا تعمل فيها مقاسم الهواتف داخليا وحتى الكبل الضوئي وهو كبل تم أتمام عمله قبل الصورة بأكثر من سنة وتم ربط حلب ودمشق عبره وجرى وضعه تحت الأرض وعلى شكل موازي لاستراد حلب دمشق ومد الكبل من دمشق حتى حلب فقد تم الحفر واخراجه وخصوصا في منطقة سراقب وبيع في السوق السوداء بأسعار بخسة ليتم لاحقا نقله إلى مناطق النظام نظرا لحاجة النظام له ولسعره ولا تقصر بيع الخردة على ذلك ففي ظل القصف الذي طال المرافق العامة مثل المدارس والدوائر الحكومة يتم فك الأبواب والشبابيك والحديد الموجود فيها ويجمع ويباع في السوق السوداء لينقل لاحقا إلى مناطق النظام. بيع الخردة في المحرر تعتبر جمع الخردة من المدن والبلدات في ريف إدلب وفي الشمال المحرر عادة قديمة فقبل الانتفاضة يتم شراء الخردة عن طريق أشخاص يجولون بسياراتهم الخاصة ويتنقل بين القرى والبلدات ويجمع المواد القديمة والغير صالح للعمل كالبرادات الغسالات.. الخ أما الآن وفي ظل القصف الذي تعرض له الشمال المحرر توسعت العمليات لتشمل شراء أثاثات المنازل المدمرة والأدوات الكهربائية المعطلة والأبواب والشبابيك وكل المواد المتوفرة في المنازل وفي غير المنازل تجمع عبر شبكات من التجار ليعاد بيعها في أمكان منتشر على طول المحرر وبالأخص في سرمدا ملتقى التجار وحيث هناك تباع بالجملة ومنها يذهب غلى المحرر والقسم الاكبر يرحل إلى مناطق النظام. العقارات في سرمدا: شهدت العقارات في سرمدا طفرة غير طبيعية حيث ارتفعت وبشكل ملحوظ وامتازت على مثيلاتها من القرى المحيطة وذلك بعد زيادة الطلب بعد التضخم السكاني في البلدة وكثرة النشاط التجاري لبلدة وقد ألتقينا بأبو احمد وهو صاحب محل عقاري ويعمل في سرمدا من قبل الانتفاضة وأطلعنا على أسعار العقارات في سرمد حيث قال: بأنها تتغير بين اليوم والآخر فقد كان سعر المتر المربع على طريق سرمدا الدانا وبالقرب من سرمدا (منطقة الأراضي الزراعية) السنة الماضية بـ 9 دولار أمريكي واليوم يتجاوز الـ 50 دولار امريكي للمتر المربع وقال بأنه منذ ثلاث سنوات كان لا يتجاوز الـ 2 دولار. أما الأسعار داخل المخطط التنظيمي لبلدة سرمدا فقد أصبحت خيالية بحسب كلامه حيث أصبح يباع المتر المربع المبني والجاهز للسكن حوالي 400 دولار. وفي ظل النزوح التي شهدت المنطقة هناك أصبحت تنشر ظاهرة استغلال المهجرين في أسعار الإيجار فقد بات المعيشة في سرمدا صعب على متوسطي الدخل فيبلغ إيجار البيت (مساحته 100متر مربع) بين الـ 150 دولار أمريكي والـ 250 دولار. ويبلغ آجار المحل التجاري بمساحة (100متر مربع) حوالي 300 دولار أمريكي.
مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.