دي مستورا وسيط مرحلة انتقالية
الكاتب: أسامة محمود آغي يأتي إعلان ستيفان دي مستورا استقالته من منصبه وسيطاً دولياً لحلّ الصراع السوري نتيجةً طبيعية لاختلاف فصول هذا الصراع وأدواته، فدي مستورا الذي أمضى أكثر من أربعة أعوامٍ في دور الوساطة، لم يستطع تحقيق أيّ تقدمٍ ملموسٍ في هذا الشأن، على الرغم من أنه وجد أمامه بيان جنيف1 والقرار الدولي رقم 2118. ثمّ أتى القرار 2254 ليشكّل قاعدة وساطته الدولية، فالقرار الأخير تضمّن إجراء عمليةٍ سياسيةٍ بهدف إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة، تُخوّلُ سلطاتٍ تنفيذيةً كاملة، ويُعتمدُ في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، وصوغ دستورٍ جديدٍ للبلاد، ثمّ إجراء انتخابات حرّةٍ ونزيهةٍ تجري عملاً بالدستور الجديد. جولات مفاوضات جنيف بين المعارضة والنظام الأسدي التي كان يقودها دي مستورا كانت تصطدم برفض النظام وتسويفه لتنفيذ مضمون القرار 2254، هذا التسويف والرفض لم يكن رفضاً علنياً للقرار الدولي، بل رفض يجري بعرقلةٍ مدروسةٍ لتفريغ هذا القرار من محتواه الأصلي المتمثل في تشكيل هيئة حكم انتقالية جامعة، تنتقل إليها السلطات التنفيذية كلها في الدولة السورية بما فيها سلطات الرئاسة. تسويف النظام ترافق مع جهد عسكري قامت به روسيا بعد تدخلها العسكري المباشر في الصراع بدءاً من خريف عام 2015م. وكان الهدف هو تغيير خريطة السيطرة الأرضية التي كانت ترجح لمصلحة قوى الثورة والمعارضة، ومن ثم وضع شروط سياسية للتفاوض بما يضمن إعادة تأهيل النظام وضمان مصلحة الحلف الروسي الإيراني معه. التدخل العسكري الروسي في سوريا مع ما رافقه من صمتٍ أمريكي ودولي دفع دي مستورا إلى الظنّ أن قدرته على دفع المفاوضات السورية – السورية هي قدرة ضعيفة، نتيجة غبش الموقف الدولي وتحديداً الأمريكي، وهذا ما دفعه إلى تجزئة مضمون القرار 2254 إلى ما أطلق عليه “السلال الأربع”، لعله يستطيع إنجاز شيء ما، ولو كان في السلال الأقل أهمية. دي مستورا وإن لم يعلن ذلك صراحةً كان يتصرف وفق قاعدة تقول إن الدول التي أصدرت قرار مجلس الأمن الدولي 2254 هي من يعرقل تنفيذ هذا القرار، والعرقلة تجري عبر تفسيراتٍ تستند إلى تغيّر ميزان القوى على الأرض، وبذلك هو مضطر في كلّ مرة إلى العودة إلى مرجعية القرار، أي إلى مجلس الأمن، وهناك تزداد قناعته بأن من يتحكم في تنفيذ القرار هو الصراع غير المعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفها الغربي من جهة وبين روسيا وحلفها الإيراني مع النظام مع مساندة خجولة أحياناً من الصين. اقتنع دي مستورا بأن مسار جنيف لن يكون مساراً حقيقياً لدفع المفاوضات إلى الأمام من دون اتفاق بين الدولتين المعنيتين بالصراع السوري “الولايات المتحدة – روسيا”، وأدرك أن ملف الصراع السوري ليس ملفاً مستقلاً عن ملفات صراعات أخرى بين هاتين الدولتين، وهذا ما عرقل مهمة الوساطة الدولية التي يقوم بها إضافةً إلى قناعته بأن الروس هم من يملكون أوراق حلّ الصراع في هذا البلد. بقيت “السلال الأربع” فارغة من النتائج، فليس مقنعاً أن تمتلئ السلال الأقل أهمية وتبقى السلّة الأساسية فارغة، وهي سلة الانتقال السياسي عبر تشكيل هيئة حكم انتقالية. أراد دي مستورا أن ينجز أي خطة حقيقيةٍ توقف حال الصراع في سوريا، بغض النظر عمن سيستفيد أكثر من هذه الخطوة من طرفي الصراع. ولكنه لم يستطع إنجاز خطوة كهذه، وهذا ما رسّخ القناعة لديه بأنه يدير ملفاً غير ناجزٍ للحل، وأن دوره بوصفه وسيطاً لا يتجاوز مسألة تمرير الوقت إلى حين رسو الصراع على ضفته الأخيرة. إذاً يمكن القول إنّ دي مستورا لعب دور إشغال الوقت في صراعٍ لم تتضح بعد آفاق حلّه النهائي. وحين بدأت هذه الآفاق تتضح مع ازدياد التدخل الأمريكي في الصراع السوري، ومع بلورة الأمريكيين رؤيتهم لحلّ الصراع السوري، وتحديداً من خلال تكثيف أوراق الضغط على الحلف الروسي الإيراني مع النظام، صار لزاماً أن يرحل دي مستورا الذي انحاز بعض الوقت إلى مصلحة ميزان القوى الراجح عسكرياً في تلك المرحلة. المرحلة الحالية تتطلب تغيير ميزان القوى في سوريا لمصلحة الرؤية الأمريكية، وتتمثل هذه الرؤية في طرد إيران من سوريا ومن دول جوارها، وهذا يعني نسف الرؤية الروسية المتمثلة في مسار “آستانة – سوتشي” والعودة إلى مسار جنيف وفق ميزان قوى جديد لا يعمل لمصلحة الحلف الروسي الإيراني مع النظام. ما تزال المرحلة الجديدة قيد التشكل والبلورة، وهي تتطلب مساراً تفاوضياً جديداً مدعوماً من ثقلٍ أمريكي وإقليمي فاعل في حلّ الصراع السوري. يرحل دي مستورا لأن وساطته ارتبطت بمرحلة تعطيل قرارات مجلس الأمن الخاصة بالصراع السوري، انتهت في هذه المرحلة قواعد اللعب ليُفسح المجال لمرحلة جديدة يسمها ميزان قوى جديد تلعب فيه الولايات المتحدة دوراً مرجّحاً، ومن ثم تحتاج إلى وسيط أقرب إلى الفهم الأمريكي والإرادة الأمريكية. وفي انتظار ذلك لن تجري مياه الحل السياسي في سوريا إلا في مجرى يخدم مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية ومصالح حلفائها الدوليين والإقليميين، بمعنى آخر سينتظر الروس حصة مصالحهم بموجب ميزان قوى لن يكون لمصلحتهم ومصلحة حلفاء الأمس. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.