fbpx

من إشكالات الثورة غياب القيادة

ما من ثورة في العالم قامت واستمرت وحققت أهدافها بصورة عفوية، أو بغياب قيادة لها، بغض النظر عن عددها وطبيعتها، حتى لو كانت مجموعة تحالفات أو جبهة أو حزباً، وأحياناً فرداً أيضاً لأن بالعفوية التي يمكن أن تنطبق أو تنفجر فيها بعض الثورات غالباً ما قد تتعرّض لمخاطر جسيمة من التيه أو الانحراف أو الفشل. إضافة إلى أن وجود عدد من البرامج والخطوط المتوازية، والخلفيات الأيديولوجية المتناقضة تقود إلى أشكال مختلفة من التأزمات التي كثيراً ما تبرز في مراحل الركود أو الانحسار أو الهزائم، بينما يمكن لمراحل المدّ القوي وأمواجه الشديدة أن تخفي عوامل الأزمة ولو لمدّة، وقد يتحقق الانتصار المؤقت بإنجاز الهدف الرئيس: إسقاط النظام مثلاً، لكن سرعان ما ستبرز تلك الثغرة في المرحلة التالية.

  • الانتفاضة وغياب القيادة

اندلاع الانتفاضة السورية بطريقة تصاعدية وتأسسها من مدينة درعا بعد قصة تعذيب الأطفال ومواجهة التظاهرات السلمية بالرصاص كان مفاجأة لأكثر المتفائلين بإمكان حدوث شيء كبير في سوريا بعد عقود تسيّد فيها النظام، وأطبق على رقاب الشعب والسياسة والحراك المتقطع بقوة، ما جعله ينام على هذا الوضع معتقداً أن سورية ليست تونس ولا مصر، وأن أي حركة احتجاجية ستكون عابرة ومؤقتة، وسيتمكن من قمعها بسهولة، وضبط الوضع تماماً. تؤكد المعلومات في البدايات أن النظام برأسه، وأصحاب القرار والسطوة فيه ارتكزوا على دراسات الأجهزة الأمنية وتقاريرها التي تعزز تلك القناعات، وتطمئن رأس النظام بأن الأمور مضبوطة جيداً فجاءت المفاجأة. لذلك تعامل النظام منذ البدايات مع التظاهرات السلمية بمنتهى العنف، وبالاستهداف المباشر للناشطين تصفية وقنصاً واغتيالاً، لذلك أيضاً لم يكن في وارده الاستجابة لأدنى المطالب الشعبية بالإصلاح أو ببعض التنازلات. كان مثل ذلك يتنافى مع طبيعته الأمنية العنفية الأقلوية، ومع القناعات الراسخة لديه بأنه يسيطر على الوضع تماماً، ولن يتجرّأ أحد على رفع رأسه أو مواصلة الاحتجاجات، أو انتشارها في عموم المدن السورية وبزخم متصاعد، فتكوينته فئوية تعيش حالة رعب من أي حركة مخالفة، حتى لو كانت محض آراء تكتب، أو بعض حراك المجتمع المدني، وهو يظن أنه إذا ما تنازل أدنى تنازل ستكون نهايته حين تنفرط سبحة تركيبه، لذلك كان شبه مستحيل أن يستجيب لأي مطلب شعبي، وكان الطبيعي تكريس نهجه الأمني. المعارضة السياسية التقليدية التي قدّمت كثيراً من التضحيات عبر عقود المواجهة مع النظام كانت منهكة، ومأزومة ومشتتة وضعيفة، وقد فوجئ كثيرون منها بقيام الانتفاضة واستمرارها، ولم يكن كثيرون مستعدون لاستقبال هذا الحدث بمستلزماته ومستحقاته كلها، لذلك لم يكن ممكناً أن تتصدّر قيادة الانتفاضة، وإن انخرطت فيها، إذ ساهمت بعض القوى في الحراك منذ بداياته، وتلكأ بعضها تحسّباً أو خوفاً أو انتقاداً، ثم أعلن التحاقه بها، بينما كانت الانتفاضة تعاني التشتت وتعدد أشكال الهيئات التي انتشرت بسرعة وبكثير من الفوضى والتنافس. أما في معارضة الداخل فبعد النجاح في التوقيع على وثيقة إعلان دمشق، بدأت الخلافات العامة والشخصية تنهش فيها، وبخاصة بين بعض أقطابها، ما أدّى إلى خروج عدد من مكوّنات الإعلان والبحث عن بديل، وسط تراشق الاتهامات، والحراك المدني الذي عرف بربيع دمشق وشهد انتعاشاً قرابة عام، وانتشاراً في عموم المناطق والمدن السورية، وقيام عدد من المنتديات والحوارات. عانى بدوره ضغوط النظام وحصاره، واعتقال أبرز رموزه، بينما لم تكن المعارضة الخارجية قادرة على القيام بالدور المأمول في المشاركة في قيادة الحراك. على العكس نظر إليها كثير من الناشطين والسياسييين بوصفها عبئاً ثقيلاً، وصُنِّف كثيرون منها بصورة سلبية. اعتبر بعضهم لأشهر طوال غياب القيادة عن الحراك السلمي حسنة كبيرة ونقطة قوة للانتفاضة، وهناك من نظّر للعفوية ودورها، وبعضهم راح يكتب في إيجابيات عدم وجود قيادة موحدة ومعروفة، حتى على الصعيد الأمني، ومن منطلق أن النظام سيبقى في حالة المتفاجئ ولن يقدر على تصفية الانتفاضة عبر قيادتها الموحدة إن وجدت، لكن النظام الخبيث أمنياً تمكن من تصفية الصفّ الأول من الناشطين معظمه، وسهّل الخروج لعدد منهم كي تفرغ الساحة، ثم صعّد إلى سطح المسؤولية من هم أقل تجربة وربما خبرة وإيماناً بجوهر الانتفاضة، فازدادت أزمة ولادة قيادة من صلب الحراك.

  • التنسيقيات قيادة افتراضية متخالفة أيديولوجياً

ضمن هذه الأوضاع تفجّرت المبادرات الشبابية لتأخذ أشكالاً عدة، فكانت التنسيقيات بداية محاولة لإيجاد أشكال ناظمة للحراك السلمي، وسرعان ما انتشرت كالفطر حتى داخل القرى الصغيرة ورحت ترى عدداً من التنسيقيات المتنافسة والمختلفة التي تعبّر عن تعرّجات مختلفة لخلفيات متعددة أيديولوجية وشخصية وغيرهما. وبات صعباً توحيد التنسيقيات في المكان الواحد الصغير، علاوة على المناطق والمدن، وكثير منها عاش صراعاً بينياً على الموقع والزعامة. الحقيقة الكبرى أن الانتفاضة فجّرت مخزون السوري وكبته خلال العقود فظهرت إلى السطح كثير من النوازع الإيجابية والسلبية، ومنها ذلك الحماس والعفوية وخروج كثير من المخلفات التي كانت حبيسة الخوف، أو ولادة تلك الفوضى ضمن خليط متشعب كان يصعب معه إحداث فرز بين الضروري والذاتي والهامشي، إضافة إلى إثارة مجموعة قضايا دفعة واحدة عن الإثنية والدين والمذاهب والعشائر والجهة وغيرها، واختلاط المفهومات حول أهداف الانتفاضة، وجوهر النظام البديل. في مرحلة لاحقة جرت محاولات لتوحيد التنسيقيات أو تجميعها، فقامت هيئات عدة يدّعي كلّ منها أنه الممثل الأوسع والأشمل للحراك الثوري، فكانت الهيئة العامة للثورة التي ضمّت لفيفاً متعدد الاتجاهات يملك بعض خبرات سياسية جيدة، وعرفت مرحلة صعود وانتشار في السنوات الأولى قبل أن تلتهمها العَسكرة والتطورات اللاحقة، وتشكّلت لجان التنسيق المحلية التي اهتمّت بالتوثيق والجوانب القانونية، وساهمت المناضلة المفقودة رزان زيتونة ورفاقها بدور قيادي بارز فيها، والمجلس الأعلى للثورة الذي غلب عليه الاتجاه الإسلامي إلى جانب هيئات أخرى متفرقة. ولم تستطع هذه الهيئات توحيد نفسها، أو إقامة تنسيق في ما بينها، بل كان التنافس هو السمة الغالبة التي أخذت جميعها بالتلاشي بعد سيطرة العسكرة والعمل المسلح.

  • المجلس الوطني السوري

عرفت الأشهر الأولى للانتفاضة نشاطاً كثيفاً لعدد من السياسيين والناشطين، فتعددت الندوات واللقاءات والمؤتمرات التي كانت تبحث عن أشكال وهيئات لقيادة الحراك، وتوحيد الرؤى والتصورات والأفكار عن مستقبل النظام المنشود، وسارع بعض المحسوبين على التيارات الإسلامية (خوفاً من أن يسبقهم أحد ما كما صرّح بعضهم بذلك مراراً) إلى الإعلان عن تشكيل المجلس الوطني في مدينة إسطنبول التركية، وكان العدد المعلن عنه هو 73، وقيل إن هناك عدداً آخر من الداخل بقي سرياً يبلغ نحو خمسين عضواً، وكلف الدكتور برهان غليون برئاسته لمدة انتقالية تبلغ ثلاثة أشهر (عكست المدة القصيرة التداولية مستوى من الوعي والتقديرات وأيضاً طبيعة التركيبة التي تصدّرت القيادة التي اعتقدت أن نهاية النظام قريبة، وأن من حقهم تداول مقعد الرئاسة). كان ذلك في 15 سبتمبر/ أيلول 2011، وجرى الإعلان الرسمي في 2 أكتوبر/ تشرين الأول، وشارك فيه ممثل عن الأمانة العامة لإعلان دمشق، وبعض الشخصيات المحسوبة على الاتجاهات الديمقراطية والعلمانية، وقال بعض المؤسسين فيه إن نسبة الحراك الثوري تصل إلى 52 في المئة، بينما تركزّت الاتهامات عليه لغلبة الإسلاميين فيه إذ ساهمت فيه بعض الأسماء المحسوبة على الإسلاميين، وبعضهم كان له تاريخ في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وكانوا ينفون استمرار علاقتهم التنظيمية بالإخوان، ويعتبرون أنفسهم من اتجاهات إسلامية متجددة. ولأن بعض الأطراف والتشكيلات السياسية لم تشارك فيه فتحت حوارات طويلة ومعقدة في ما يعرف بالطاولة الثانية كان من نتيجتها مشاركة جماعة الإخوان المسلمين بصفة رسمية، وعدد آخر من ممثلي القوى والتشكيلات السياسية، وتجاوز العدد 120 ثم 150، وحين بلغ الإلحاح أشده بضرورة إشراك الحراك الثوري بنسبة كبيرة، وكذلك ممثلين عن أطراف سياسية وتشكيلات جديدة وعن هيئات المجتمع الأهلي تجاوز العدد 650 عضواً، ما دعا إلى ما يعرف بعملية الترشيق حتى استقر العدد على حوالى 450 وكان ذلك يمثل عبئاً ثقيلاً، وجاء في المدّة التي كان المجلس يتهاوى فيها، ويجري الإعداد لتشكيل الائتلاف.

  • أسباب إنهاء المجلس الوطني

ثمة مجموعة من العوامل التكوينية والخارجية، تراكبت مع الأخطاء والسلبيات لإنهاء المجلس بطريقة درامية، واستبدال الائتلاف به. لنقل بداية إن حالة القوى السياسية السورية عند قيام المجلس لم تكن مهيّأة لعمل جماعي لافتقار التجارب السابقة إلى عمل مباشر يتجاوز تلك التحالفات التي حصلت، وبخاصة بين الإسلاميين بمختلف تياراتهم والقوى اليسارية والديمقراطية، وكان التوجّس السمة العامة لدى الأخيرين من سيطرة الإسلاميين، واستخدام أساليب غير واضحة، والعمل بطرائق جانبية وبخاصة في ميدان الإغاثة ثم السلاح، علاوة على التشكيك في صدقيتهم في الشعارات التي يطرحونها، ومدى إيمانهم بالديمقراطية، وتخليهم عن قصة الحاكمية وإقامة الدولة الإسلامية. لكن قضايا الإغاثة أصبحت مصدراً كبيراً لسيطرة أطراف إسلامية على الأطراف الأخرى التي كانت تعاني التشتت والتشكيك في ما بينها وضعف الوجود على الأرض، وقلة الإمكانات المالية، وغياب القدرة على التواصل مع القواعد الشعبية، وجمع المؤيدين وأحياناً توظيفهم لمصلحة عمل حزبوي. من جهة أخرى فالأطراف السورية جميعها لم تعرف حياة ديمقراطية حقيقية منذ عقود طويلة، وكانت تفتقر عملياً إلى الخبرة والتجربة والممارسة، فبدت كثير من الشعارات المرفوعة محض رايات لا تعكس واقع من يرفعها، ولا تتجسّد في الميدان. كان ذلك ينسحب على القوى التي تحسب نفسها ديمقراطية وعلى الإسلاميين، وإن بدرجات متفاوتة. آخذين بالاعتبار التطور الكبير الذي حصل بعد الانتفاضة في وعي أهمية النظام الديمقراطي، وتوضيح عدد من التفاصيل في الرؤى والوثائق التي أنتجتها المعارضة، بما فيها وثيقة العهد الصادرة من جماعة الإخوان المسلمين عام 2012، والوقوف عند وثيقة العهد التي صدرت عن مؤتمر القاهرة للمعارضة الذي رعته الجامعة العربية، وحصول شبه توافق عام حول الدولة المدنية الديمقراطية، وإن قوبل الأمر ببعض اعتراضات من إسلاميين، ثم زادت الاعتراضات وسط موجة صعود العَسكرة وطغيانها، وبروز الأسلمة فيها. على صعيد آخر يخص ما يعرف بالحراك الثوري الذي كان مصطلحاً فضفاضاً جداً يصعب تحديد مضامينه إذ جمع طيفاً واسعاً ومختلفاً من تيارات واتجاهات متعددة، وبات يمكن أن يشمل أي شاب شارك في تظاهرة، أو صنع لنفسه تاريخاً فيها يمكن أن يكون مزيفاً أو مبالغاً فيه، وكان الانهمار والتزاحم على المواقع سمة سورية بامتياز تعبّر عن حالات القمع الطويلة، والاختناق الذي عاشه السوري عقوداً وانفجار مخزونه دفعة واحدة، فحدثت اختلاطات سمحت للعوامل الشخصية باختيار عدد من الأشخاص للمواقع القيادية، في حين كان هذا الحراك يتأكل بقوة وسرعة، وتنتهي معه بعض الأسماء والهيئات التي قامت.

  • عوامل مباشرة

تقويم تجربة المجلس الوطني، ومن بعده الائتلاف بقدر ما هي ضرورية تحتاج إلى وقفة موضوعية وشجاعة وصولاً إلى تشخيص السلبيات بهدف التجاوز وليس التكريس أو التسويغ، أو إطلاق الأحكام العامة والجاهزة. لقد تراكبت عوامل عدة يمكن اختصارها في ثلاثة: 1- الرهان على التدخل الخارجي انطلاقاً مما حدث في ليبيا، وبشكل ما في مصر واليمن وارتكازاً على انهمار التصريحات الأمريكية والأوروبية والإقليمية والعربية حول قرب نهاية النظام السوري، واحتمالات التدخل المباشر في العملية، نما شعور قوي لدرجة القناعة المؤكدة لدى قيادة المجلس الوطني أن التدخل في سوريا وشيك، وحتمي وأن سقوط النظام قاب قوسين أو أدنى. بناء على هذه القناعة بنت قيادة المجلس تصوراتها وقراراتها وفقه، وانعكس ذلك في

  • الإرباك الشديد في النظام الداخلي الذي صيغ على عجل وبتلك الروحية وكرّس تداول الرئاسة لثلاثة أشهر فقط، وسط صراع شديد بما منع استقرار الرئاسة، والمؤسسات التي كان من المفروض أن تنهض وفق قرارات المؤتمر الأول للمجلس في تونس. أي الانتقال من العفوية والفوضى إلى المأسسة التي غابت مدّة طويلة، ولم تكن الإجراءات اللاحقة لتعديل الوضع قادرة على لملمة ما حدث.
  • من أهم نتائج ذلك الرهان توجيه الجهد والنشاط نحو الخارج بديلاً للاهتمام بالداخل وبناء علاقات مع الشعب وفعاليات الانتفاضة، ما أحدث فجوة راحت تتسع مع مرور الأيام، تراكبت مع ضعف الثقة بالمجلس وبدوره بوصفه قيادة سياسية للانتفاضة، وحين أخذت المعطيات الواقعية عن عدم وجود تدخل خارجي حاسم تبرز صريحة كان يبدو أن الأوان قد فات على تدارك ما حصل، خصوصاً بعدما تموضعت العسكرة بقوة، وراحت تلتهم دور المجلس ومنزلته.
  • إن تعدد الجهات الإغاثية، والتدخلات الواسعة من أطراف عربية وخارجية في الشأن السوري بعنوان الإغاثة، ثم تشكيل منظمات للمجتمع المدني تدور في فلك الدول الممولة، أو تتبع لها أضعف دور المجلس القيادي، وأصبحت بعض الجهات الإغاثية التي تتلقى تمويلاً خارجياً كبيراً أكثر قدرة على الحركة وتلبية احتياجات النازجين واللاجئين وآثار التدمير والقتل والاعتقال والجرحى، فهُمِّش المجلس شيئاً فشيئاً.
  • تفاقم وضع المجلس مع نمو فطغيان ظاهرة العسكرة التي أصبحت ظاهرة مثيرة جداً من حيث تشتتها وانتشارها العجيب، ودخول دول وأطراف كثيرة على خطها، وما أنتجته من سحق للسياسي، وحتى الاحتقار، ومحاولة احتكار القرارات العسكرية والسياسية عبر عدد مريب من الكتائب والتشكيلات العسكرية، ثم بروز الأسلمة والتشدد والتطرف فيها.

لقد حاولت قيادة المجلس بجهد كبير توحيد العمل العسكري ضمن هيئة موحدة (الأركان) وإتباعه للقيادة السياسية، وكانت تصطدم كل محاولة بقرارات المنع الصادرة من جهات خارجية ما أثرّ كثيراً في القرار الوطني الذي راح ينسحب ويغيب ومعه دور المجلس. 2- رفض بيان جنيف 1 حين صدر بيان جنيف 1 في أواخر يونيو/ حزيران 2012 كانت كثير من المعطيات تفيد بأن النظام على وشك الانهيار، وبناء على تقديرات المكتب التنفيذي للمجلس الوطني اتخذ قراراً برفضه، وقد اعتبر ذلك خطأ فادحاً من قبله لدى الأوساط الخارجية، وأنه تكريس للحل العسكري ورفض للحل السياسي. 3- رفض الموافقة على تشكيل لجنة متابعة في الأول من يوليو/ تموز 2012 رعت الجامعة العربية بتأييد ودعم دولي كبيرين مؤتمراً للمعارضة السورية في القاهرة، وشُكّلت لجنة تحضيرية واسعة له من 18 عضواً مثّلت الأطياف السورية معظمها، وشاركت فيها هيئة التنسيق بعضوين. كان الهدف الرئيس من المؤتمر توحيد المعارضة، أو على الأقل إيجاد صيغة للتنسيق والتوافق. وفي حين جرى إنجاز وثيقتين مهمتين (هما الأكثر أهمية ونضجاً بين مختلف وثائق المعارضة، وبخاصة وثيقة العهد التي حددت رؤية المعارضة لمستقبل سوريا وشكل النظام المنشود، والمرحلة الانتقالية) وجرى التوقيع بالأسماء لأعضاء اللجنة التحضيرية جميعهم. رفض المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الموافقة على تشكيل لجنة للمتابعة، واعتبرها مؤامرة محبوكة لإضعاف المجلس أو إنهائه) وأصرّ صقور المجلس على رأيهم، وكانت المسافة كبيرة بينهم وبين هيئة التنسيق مفوّتاً بذلك فرصة كبيرة لتوحيد المعارضة بمساهمته، وأظن أن موقفه هذا كان القشّة التي قصمت ظهره.

  • الائتلاف

باستخدام ما يعرف بمبادرة الأستاذ رياض سيف التي لم تكن بعيدة من توافقات دولية لما يعرف بأصدقاء الشعب السوري الذين أعطوا الضوء الأخضر وتشكيل الائتلاف في العاصمة القطرية. كانت فكرة المشروع تقوم على اختيار عدد محدد من المعارضة والشخصيات الوطنية بواقع ممثل واحد عن كل حزب أو تشكيل، إضافة إلى عدد محدد باسم الشخصيات الوطنية أو المستقلة وبما لا يتجاوز 43 عضواً، غير أن الأمور جرت بما يتخطى ذلك، بتسجيل الملاحظات الآتية:

  • أضيف 14 عضواً باسم المجالس المحلية بواقع ممثل واحد عن كل محافظة، وتدخلت جهات مختلفة لاختيار هؤلاء.
  • رفضت قيادة المجلس الوطني المشاركة في الائتلاف واحتاج أمر انتزاع موافقتها إلى ضغوط كبيرة وتفاهمات حول الحصة التي بلغت ثلث عدد أعضاء الائتلاف تقريباً، يضاف إليهم عدد آخر أعضاء في المجلس الوطني لم يحسبوا ضمن الكتلة التي اعتمدت.

ولمدّة ليست قصيرة تعامل أعضاء المجلس الذين دخلوا الائتلاف ككتلة شبه مستقلة لم تندمج فيه، بل كثيراً ما تعاملت بروحية الضرّة، واحتاج الأمر إلى وقت لتحقيق الاندماج بعد أن أصبح المجلس الوطني بحكم المنتهي.

  • فُصِّل النظام الأساسي من قبل آخرين غير سوريين، ووفق رؤية تخالف التحالفات السياسية، وهي أقرب إلى نظام الشركات المساهمة التي يتولى المسؤولية العامة فيها الأمين العام بوجود رئيس بصلاحيات ضيقة ومبهمة، وثلاثة نواب للرئيس، من بينهم سيدة جبراً من دون النص على وجود هيئة سياسية تمارس الدور التنفيذي في غياب دورات الهيئة العامة للائتلاف، وجرى التوقيع عليه بسرعة بمسوّغ إعادة النظر فيه لاحقاً، وتعديله وفق ما يريده الأعضاء، وحين جرت محاولات تعديله وتوضيح المهمات والصلاحيات وإحداث هيئة سياسية اصطدمت بالنصّ على وجوب توفر ثلثي الأصوات وكان ذلك شبه مستحيل بسبب وجود كتلة المجالس المحلية التي يقودها الأمين العام ومعه لفيف آخر من الأعضاء، وقد احتاج تعديل بعض النصوص والبنود إلى جهد كبير وصراعات مختلفة، ووقت استغرق بعضه سنوات.
  • لم يوافق الأعضاء المحسوبون على هيئة التنسيق المشاركة بحجة نسبة التمثيل، ورفض بعض ممثلي بعض التيارات، وحضر ممثلون عن الأكراد الجلسات وانسحبوا بذريعة مناقشة الوضع مع زملائهم، واستمر غيابهم مدّة طويلة امتدّت حتى توقيع اتفاق بين الائتلاف والمجلس الوطني الكردي، وهو الاتفاق الذي يحتوي على ثغرات عدة ورفض الموافقة أو تحفّظ عليها عدد مهم من مكونات الائتلاف وأعضائه.

كان تمثيل المرأة جد هزيل ولم يعالج هذا النقص إلا بصورة جزئية وبعد سنوات، وبما لا يعكس حقيقة ثقل المرأة ودورها في الانتفاضة ولا مرجعيات التمثيل. قوبل تشكيل الائتلاف بترحيب شعبي كبير، وأكثر منه على الصعيد الدولي، إذ عقد أصدقاء الشعب السوري مؤتمراً خاصاً في المغرب جرى فيه اعتراف 122 دولة بالائتلاف ممثلاً شرعياً للشعب السوري، وبقرارات ممتلئة بوعود كبيرة، وبالعمل على إنهاء النظام السوري ودعم المعارضة في المجالات كلها السياسية والعسكرية والمالية وغيرها، في حين إن واقع الائتلاف وتركيبته وقدراته كانت دون هذا السقف العالي من التأييد، وقد دخلت على الخط مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية خارجية قوّضت واقعياً مضامين تلك القرارات والوعود، وهو ما يحتاج إلى بحث خاص حول مسيرة الائتلاف، والواقع الدولي وتأثيره، وتفاعلاته الداخلية وعجزه عن أن يكون مهيّئاً بالفعل ليكون القيادة السياسية لانتفاضة شديدة التعقيد، وعرفت مساراتها منعطفات مختلفة، وأشكالاً من التدخلات العنيفة لمصلحة النظام ومنع انهياره، يقابله تراجع المواقف الدولية، وبخاصة الموقف الأمريكي الذي كان العامل المهم في تلك الدحرجة التي حدثت، وأدّت إلى انحسارات وهزائم متتالية. وعلى الرغم من بعض الأدوار التي يقوم بها الائتلاف التي سنتعرّض لها في بحث خاص، ومحاولات عدد من الفاعليات والناشطين والحوارات البحث عن قيادة سياسية موحدة للانتفاضة جديرة بها، وبمواجهة المخاطر والتحديات، إلا أن العوامل ذاتها الداخلية والخارجية ما زالت تحول دون ذلك. مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا” هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى