السياسة الوقائية.. هل يتحرر أحمد الشرع من أحماله؟

محمد القضماني
مع خروج سوريا تدريجياً من نفق الصراع، تواجه القيادة السياسية الجديدة تحديًا مصيريًا يتمثل في إعادة بناء السياسة الخارجية على أسس متوازنة، بما يضمن الاستقرار الداخلي ويحمي البلاد من التقلبات الإقليمية والدولية.
لكن هذا المسار ليس بسيطاً، إذ يتعين على أحمد الشرع صياغة سياسة وقائية تأخذ بعين الاعتبار العدالة الانتقالية، التي لا تزال معالمها وآليات تطبيقها غير واضحة، ما يضيف تعقيدًا إضافيًا إلى المشهد السياسي.
في هذا السياق، يبرز نهج أحمد الشرع “البرغماتي بشدّة” الذي يعتمد على البراغماتية السياسية كأداة لإدارة العلاقات الخارجية وتعزيز السيادة الوطنية، لكن نجاح هذا التوجه يبقى مرهونًا بقدرته على التعامل مع الملفات الشائكة داخليًا وخارجيًا.
التحديات الإقليمية ومسارات التحرك
تواجه القيادة السورية تحديات إقليمية معقدة، تتطلب دبلوماسية استباقية لإعادة صياغة العلاقات مع الدول الفاعلة في المنطقة. فالإعلان الدستوري الذي حدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات يفرض على الحكومة تبني رؤية واضحة ومحددة تجنبها الوقوع في عزلة دبلوماسية قد تؤثر على فرص التعاون السياسي والاقتصادي.
إحدى القضايا الأكثر إلحاحاً هي ملف المقاتلين الأجانب، الذين لا يزالون يشكلون خطراً أمنياً. فالتعامل معهم دون استراتيجية واضحة قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، فهل معضلة المقاتلين الأجانب هي تهديد كامن أم ورقة تفاوض؟ فلغاية اللحظة، لا يوجد آلية واضحة نستطيع استقرائها لنية الحكومة السورية أو طريقة تعاملها مع هذا الملف، فهل ستتبع آلية الحل العسكري والأمني، التفاوض والترحيل، أم إعادة التأهيل والدمج إن أمكن، وإن الخيار الثالث هو أضعف الخيارات.
العلاقات مع تركيا وإسرائيل: معادلة معقدة
تعتبر العلاقات مع تركيا من أبرز التحديات التي تواجه السياسة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تثير المخاوف الإسرائيلية من التقارب التركي-السوري قلقاً متزايداً. هذا التقارب قد يؤدي إلى إعادة تموضع “حركات المقاومة الفلسطينية”، مثل حماس والجهاد الإسلامي، على الأراضي السورية، مما يعمق انخراط دمشق في قضايا المقاومة ضد إسرائيل. كما أن أي وجود عسكري تركي دائم في سوريا قد يشكل تهديداً إضافياً لإسرائيل ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
بالنسبة لإسرائيل، فإن إعادة تموضع سوريا على الساحة الإقليمية تثير قلقاً أمنياً شديداً، خصوصاً في ظل التصعيد المستمر مع إيران. إسرائيل ترى في أي نفوذ تركي أو إيراني في سوريا تهديداً مباشراً لمصالحها، مما يدفعها إلى تكثيف الضغوط السياسية والعسكرية لتفادي أي تغييرات غير مرغوب فيها في ميزان القوى في المنطقة.
هذا القلق تجسد في الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، وخاصة على قاعدة الـ T4 في وسط سوريا، وكذلك التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري.
من منظور إسرائيلي، يعزز عدم الاستقرار في سوريا، مع غياب حكومة مركزية قوية لا تسيطر على كافة أراضيها ولا تتحكم بشكل كامل في الفصائل المسلحة، من دوافع التحركات العسكرية الإسرائيلية.
إضافة إلى ذلك، فإن الخلفية العقائدية التي يحملها قادة سوريا الجدد، إلى جانب النفوذ التركي المتزايد، تعد مبررات مهمة لإسرائيل للقيام بتحركات عسكرية في الجنوب الغربي السوري، بهدف إنشاء منطقة عازلة توفر أمناً للفاصل بين الحدود السورية والإسرائيلية.
ملامح سياسة وقائية ناجحة
في ظل هذه التحديات، يصبح تبني سياسة وقائية أمراً ضرورياً لضمان استقرار سوريا وتعزيز سيادتها الوطنية. فمعادلة الاستقرار لم تعد تقتصر على القوة العسكرية فحسب، بل باتت تتطلب مقاربة شاملة تراعي الجوانب الأمنية والسياسية والدبلوماسية التالية:
أولاً: استراتيجية أمنية متوازنة
تعتمد السياسة الوقائية على تطوير استراتيجية أمنية ذكية ومتوازنة، ترتكز على الاحتواء بدلاً من القمع، لمنع تكرار الأخطاء السابقة التي أدت إلى تأجيج الصراع الداخلي.
ثانياً: إدارة المخاوف الإقليمية بدبلوماسية مرنة
يعد تقديم ضمانات دبلوماسية للدول المجاورة بشأن التوجهات السياسية والأمنية لسوريا خطوة حاسمة لبناء الثقة وتقليل الهواجس التي قد تؤثر على العلاقات الثنائية.
ثالثاً: التوازن في العلاقات الدولية
في ظل تصاعد الاستقطابات بين القوى الكبرى، يجب على سوريا تبني نهج براغماتي يسمح لها ببناء علاقات متوازنة مع الفاعلين الدوليين، دون الوقوع في فخ الاستقطاب الحاد بين المحاور المتنافسة.
رابعاً: تعزيز السيادة الوطنية
تحتاج سوريا إلى فرض معادلة داخلية متماسكة تضمن وحدة القرار السياسي، بعيداً عن أي تدخلات خارجية قد تؤثر على استقلالية الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات سيادية.
خامساً: التعامل مع ملف المقاتلين الأجانب بحذر
يمثل ملف المقاتلين الأجانب تحدياً أمنياً لا يمكن تجاهله، ويتطلب إجراءات استباقية تحول دون استغلالهم كأداة لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
في الختام، فإن نجاح أحمد الشرع في إعادة تموضع سوريا إقليمياً ودولياً سيعتمد على مدى قدرته على قراءة المشهد الجيوسياسي بواقعية، واتخاذ خطوات استباقية لحماية المصالح الوطنية.
فالتعامل ببراغماتية مع التحديات الراهنة، مع تجنب الوقوع في فخ التجاذبات السياسية، سيكون عاملًا حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة لسوريا، وتحديد موقعها في المعادلة الإقليمية والدولية.