الهروب من " العولمة " إلى ما بعدها
لا يستطيع أحد التكهن إلى ما ستؤول إليه منطقة الشرق الأوسط، فالتصريحات المتضاربة والمتناقضة بين “الحلفاء” المزعومين أو الأعداء المفترضين تجعل من المشهد أشبه بالأحجية، وكأنما يراد له أن يكون كذلك كي تبقى المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات.
المراقب لما يحدث في ليبيا واليمن أو في سوريا والعراق وحالة الانقسام المجتمعي وتصارع الايديولوجيات الذي يبدو أنه ماضٍ إلى التفاقم، في ظلّ التأجيج المبرمج من قبل أطراف خفية، تعبث بمجتمعاتنا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي لم يعد بالإمكان السيطرة عليها أو توجيهها.. ويجب الاعتراف بأن هذه الوسائط حين دخلت إلى عالمنا العربي، كانت نسبة الجهل لا يستهان بها، أي أننا كنا جاهزين تماماً لأن نكون “حقل تجارب” للآخرين، ليطبقوا نظرياتهم الجديدة لزمن ما بعد العولمة.. ففي دراسة أعدّها د. مصطفى النشار /عميد كلية التربية بجامعة القاهرة/ عام 2003 أكّد فيها أن عصر العولمة أوشك على الانتهاء، وأننا مقبلون على عصر ما بعد العولمة.. وأن آليات التقارب العالمي ليست كافية للقول بأن العالم قد أصبح قرية كونية واحدة.
وفي محاولة فهم بناء هذا “الحدّ الزمني” الذي يعمل تحت اسم العولمة جاء كتاب (ما بعد العولمة) لـ إريك كازدين و إمري زيمان، اللذان استعرضا في طيّاته السلبيات التي قادت العولمة نحو الانهيار، وما هي المؤشرات التي تحول دون التفكير في “ما بعد العولمة” . وكأننا نمرّ في مرحلة لا تنتمي إلى الزمنين، أو أننا نعيش نهاية حقبة العولمة دونما معرفة البديل الذي يضمن سلاسة الانتقال، لهذا نجد التخبط الذي لازم العالم القوي، منذ بداية ما يعرف بالربيع العربي وحتى اللحظة، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتناقض مواقف الدول الغربية الداعمة للعولمة، وعلى رأسها أمريكا التي روّجت لنشر الديمقراطية كدعامة أساسية تقوم عليها العولمة، وإذا بها تنقلب على ثورات الربيع العربي بحجّة محاربة الإرهاب!!.
وبالعودة قليلاً إلى ما قبل الثورة في تونس 2010، حين ضربت الأزمة المالية الكبرى البنوك والشركات الأمريكية 2008، مما دفع الرئيس “أوباما” مضطراً، للتدخل لإنقاذها من الإفلاس بضخ ما يقارب 600 مليار دولار، وكان ذلك الحدث هو أهم مؤشر على سقوط النموذج الرأسمالي، وهذا ما ذهب إليه الكاتب المصري “السيد ياسين” حين قال: “تدخل الدولة لإنقاذ مؤسسات رأسمالية يعني أن العولمة الاقتصادية قد سقطت”.
ولفهم المآلات التي وصلت إليها دول الربيع العربي لا بد من ربطها بالأزمة الفكرية التي تعانيها دول الغرب عموماً بعد تلمسها لبوادر انهيار الفكر الرأسمالي الذي تقوم عليه “العولمة”، ولهذا نجدها تحاول الهروب من مشكلتها الحقيقية التي باتت تهدد منظومتها بالتركيز على ما يحدث في العالم العربي، والتبشير بالفوضى ” الخلاقة ” وتأجيج الصراعات فيه ليبقى جرحاً مفتوحاً لا يسعى أحد إلى تضميده، بل يفعلون العكس تماماً، على الأقل ريثما يتم الانتقال إلى “ما بعد العولمة”، وهذا بحدّ ذاته سيأخذ زمناً ليس بالقصير، فليس هناك ما يشير إلى وجود بديل عن الرأسمالية في الوقت الراهن.
وحتى يحين ذلك الوقت يكون عالمنا العربي هو المكان المناسب لتصفية الحسابات ما بين الشرق والغرب، الذي أصبح مسرحاً للصراع بين الدول الغربية حاملة مشروع العولمة، وبين الدول الشمولية والاستبدادية ( روسيا والصين وإيران ) الرافضة للدخول في فلك الغرب، وبهذا يكون فوكوياما قد وجد لأفكاره ما يعززها على أرض الواقع، وأن ما بعد انتهاء ( الحرب الباردة ) سيبدأ صراع الحضارات ، في حين يرى الكاتب الفرنسي جاك أتالي أن العالم يواجه ليس صراع حضارات بل انهيار حضارات، وأن الأمن العالمي أصبح مهدداً أكثر من زمن الحرب الباردة، وأن الأمن الاجتماعي آخذ بالتفكّك حتى في أعتى الديمقراطيات.
ويبقى السؤال هل تستطيع الدول العربية الخروج من هذا الأتون بأقل الخسائر؟ أم أنها تعيش حالة استلاب كارثية لا تستطيع أن تتصدى لما يحاك لها؟.. خاصة ونحن نرى غياباً كاملاً للتنسيق العربي، تتجلى علاماته في دول المغرب العربي وكذلك في الخليج العربي الذي كان يعتبر رائداً في هذا المجال من خلال ( مجلس التعاون الخليجي )، ولكن التطورات الأخيرة تقول أنه يسير نحو التفكك ، في ظلّ استمرار القطيعة مع دولة قطر، وانسحاب دولة الأمارات من التحالف بخصوص اليمن.
يضاف إلى ذلك غياب شبه التام للجامعة العربيةـ رغم عدم فاعليتها أساساً عن كلّ ما يعصف بالدول الأعضاء ناهيك عن السياسة العدوانية التي تنتهجها إيران تجاه الأمة العربية وتدخلّها في شؤون المنطقة العربية من نافذة الدين، وما نجم عن ذلك من صراعات داخلية تنذر بالانقسام المجتمعي على أساس طائفي.
كلّ ذلك يوحي بأننا مقبلون على سنوات غاية في الخطورة والتعقيد، قد تتغير فيها خارطة الوطن العربي التي رسمها لنا المستعمر الغربي منذ مئة عام، وكأنما يراد لمنطقتنا أن تكون بمثابة ” جسر ” العبور إلى ما بعد العولمة .. ولكن على حساب دماءنا وثرواتنا ومستقبلنا، وانهاء وجودنا كحضارة ضاربة في التاريخ والعودة بنا إلى زمن الرعي والبداوة، تلك الصورة النمطية التي رسمها الغرب عن شعوبنا ولا يزال متمسكاً بها.
هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.
حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.